بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد
في كل العصور الإسلامية السالفة، كانت تقام الحروب بين الأمة فيقاتل بعضها البعض، وكل فرقة تنتصر تظن نفسها على حق والباقي على باطل ولعمري أنهم جهلوا وأجهلوا الناس بترهاتهم هذه
فقد ورد عن أبي عبد الله الصادق عليه الصلاة و السلام قال: ما التقت فئتان قط من أهل الباطل إلا كان النصر مع أحسنهما بقية على أهل الاسلام
الكافي المقدس – ج٨ – ص١٥٢
فهذه الحروب والصراعات على مدار القرون السالفة، حروب تافهة لأمور دنيوية لا غاية سامية لها؛ كانت و لا زالت حروب سياسية مؤطرة بالإطار الديني تدعو الناس دينيًا وتحارب سياسيًا ولعمري كل فرقة إنتصرت هوّلت إنتصارها على أنهم شعب الله المختار ونصرهم الله لأنهم أصحاب حق وهذا من السخف والجهل؛ فكيف لله أن ينصر المسيحي واليهودي و الأصولي والناصبي و معتنقي باقي الديانات والمعتقدات؟
إنما دين الله واحد فكيف لله تارة أن ينصر المسيحي على المسلم وتارة ينصر المسلم على المسيحي؟
هل المسيحي نصره الله لانه صاحب حق؟ أم نصر الله الأصولي على الناصبي أو الناصبي على الاصولي لأنهم أصحاب حق؟؟ مالكم لا تعقلون،
أما والله إن هذه الإنتصارات إنتصارات وهمية توّهَم الناس فيها وأعتقدوا فيها الإعتقادات، في حين أن هذه الإنتصارات كانت ولا زالت إنتصارات دنيوية ينتصر فيها من لا مضرة له على الإسلام وأهل الإسلام؛ فإن الله سبحانه وتعالى يقاتل الباطل بالباطل و يسلم المسلم و دينه من هذه الحروب الدنيوية السياسية التافهة
فقد ورد في الخبر عن محمد بن مسلم، قال: سمعت أبا جعفر الباقر عليه الصلاة و السلام يقول: اتقوا الله واستعينوا على ما أنتم عليه بالورع والاجتهاد في طاعة الله، فإن أشد ما يكون أحدكم اغتباطا بما هو فيه من الدين لو قد صار في حد الآخرة وانقطعت الدنيا عنه، فإذا صار في ذلك الحد عرف أنه قد استقبل النعيم والكرامة من الله والبشرى بالجنة، وأمن مما كان يخاف، وأيقن أن الذي كان عليه هو الحق، وإن من خالف دينه على باطل، وإنه هالك فأبشروا ثم أبشروا بالذي تريدونه، ألستم ترون أعداءكم يقتتلون في معاصي الله، ويقتل بعضهم بعضا على الدنيا دونكم وأنتم في بيوتكم آمنون في عزلة عنهم، وكفى بالسفياني نقمة لكم من عدوكم، وهو من العلامات لكم مع أن الفاسق لو قد خرج لمكثتم شهرا أو شهرين بعد خروجه لم يكن عليكم بأس حتى يقتل خلقا كثيرا دونكم
الغيبة للنعماني – ص٣٠٠
أما الحرب فهي ليست بالسهلة ولا يمكن لشخص غير معصوم أو غير مكلفٍ من معصوم أن يقوم بهذه الحروب!! الحرب ليست لعبة أطفال، فيها نتائج وخيمة وأسبابها عظيمة لا أسباب دنيوية؛ فالقيام بالحرب يتطلب قيادة معصوم أو شخص مكلف من معصوم،
كمثل الشخص المكلف من المعصوم أنه عندما أراد “المختار الثقفي” الأخذ بالثأر قال للشيعة ان لديه إذن فذهبوا إلى إبن الحنفية…
إلى أن نصل إلى مقطع في الرواية
«فأنهضوا بنا إليه نخبره بما قدم به علينا، فإن رخّص لنا اتبعناه، وإن نهانا تركناه، فخرجوا وجاؤوا إلى ابن الحنفيّة فلمّا سمع ابن الحنفيّة كلامهم حمد الله وأثنى عليه وصلّى على النبي، وقال: أمّا ما ذكرتم بما خصّنا الله، فإنّ الفضل لله يعطيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، وأمّا مصيبتنا بالحسين فذلك في الذكر الحكيم، وأمّا الطلب بدمائنا فقوموا بنا إلى إمامي وإمامكم علي بن الحسين، فلمّا دخل ودخلوا عليه أخبر خبرهم الذي جاؤوا لاجله، قال: “يا عم، لو أنّ عبداً زنجيّاً تعصّب لنا أهل البيت، لوجب على الناس مؤازرته، وقد ولّيتك هذا الامر، فاصنع ما شئت”،
بحار الأنوار المقدس – ج٤٥ – ص٣٥٨
فخرجوا وقد سمعوا كلامه، وهم يقولون: أذن لنا زين العابدين عليه الصلاة و السلام ومحمّد بن الحنفيّة»
ولكن مع هذا الإذن إلا أن المختار دخل في قلبه حب الدنيا والرئاسة فسيعذبه الله بسبب حبه للدنيا والرئاسة!! مع أنه أخذ إذنًا من إمام زمانه إلا أن الله سيعذبه، فتلاحظ أن القيادة يجب أن تكون دقيقة وذات غاية سامية، لا بدافع حب الدنيا والرئاسة.
روي عن الصادق صلوات الله و سلامه علیه قال : إذا کان یوم القیامة یمر رسول اللّه صلی الله علیه وآله بشفیر جهنم و معه علی بن أبی طالب و الحسن و الحسین صلوات الله و سلامه علیهم فیراهم المختار و هو یومئذ فی النار فینادي بصوت عال یا شفیع المذنبین أنقذنی من النار فلم یجبه، فینادی یا علي أغثنی من النار فلم یجبه، فینادی: یا حسن یا سید شباب أهل الجنة أدرکنی فلم یجبه، فینادی: یا حسین یا سید الشهداء أنا الذی قتلت أعداءک و أخذت لک بالثأر أنقذنی من النار؛ فیقول النبي صلی الله علیه وآله : یا حسین إن المختار قد احتج علیک بأخذ الثأر من أعدائک فأنقذه من النار، قال: فینتفض الحسین صلوات الله و سلامه علیه سریعا کالبرق الخاطف و یخرجه من النار و یغمسه فی نهر الحیوان و یدخله الجنة مع الأخیار ببرکة النبی المختار صلی الله علیه وآله، فسئل الصادق (صلوات الله و سلامه علیه) یابن رسول اللّه [فلمَ أدخل المختار النار و هو من الأخیار] والشیعة الأبرار وأفضل الأنصار لأهل بیت النبی المختار صلی الله علیه وآله؟ فقال (صلوات الله و سلامه علیه) :[إن المختار کان یحب السلطنة و کان یحب الدنیا و زینتها و زخرفها] وإن حب الدنیا رأس کل خطیئة لأن رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله قال : و الذی بعثنی بالحق نبیا لو أن جبرائیل أو میکائیل کان فی قلبهما ذرة من حب الدنیا لأکبهما اللّه علی وجوههما فی نار جهنم.
المنتخب للشیخ الطریحي – ص١٥١
فهذا الإذن من المعصوم؛ أما الحروب التي تقام بغير إذن، فهي عصيان للإمام والامام نهى عن هذا
فقد ورد في الخبر عن عيص بن القاسم قال سمعت أبا عبد الله عليه الصلاة و السلام يقول: عليكم بتقوى الله وحده لا شريك له وانظروا لأنفسكم، فوالله إن الرجل ليكون له الغنم فيها الراعي، فإذا وجد رجلا هو أعلم بغنيمه من الذي هو فيها يخرجه ويجئ بذلك الرجل الذي هو أعلم بغنمه من الذي كان فيها، والله لو كانت لأحدكم نفسان يقاتل بواحدة يجرب بها ثم كانت الأخرى باقية يعمل على ما قد استبان لها، ولكن له نفس واحدة إذا ذهبت فقد والله ذهبت التوبة فأنتم أحق أن تختاروا لأنفسكم، إن أتاكم آت منا فانظروا على أي شئ تخرجون، ولا تقولوا خرج زيد، فان زيدا كان عالما وكان صدوقا ولم يدعكم إلى نفسه، وإنما دعاكم إلى الرضا من آل محمد صلى الله عليه وآله ولو ظهر لوفى بما دعاكم إليه إنما خرج إلى سلطان مجتمع لينقضه، فالخارج منا اليوم إلى اي شئ يدعوكم إلى الرضا من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم فنحن نشهدكم انا لسنا نرضى به وهو يعصينا اليوم وليس معه أحد، وهو إذا كانت الرايات والألوية أجدر أن لا يسمع منا إلا من اجتمعت بنو فاطمة معه، فوالله ما صاحبكم إلا من اجتمعوا عليه إذا كان رجب فاقبلوا على اسم الله، وإن أحببتم أن تتأخروا إلى شعبان فلا ضير، وإن أحببتم أن تصوموا في أهاليكم فلعل ذلك يكون أقوى لكم، وكفاكم بالسفياني علامة.
الكافي المقدس – ج٨ – ص٢٦٤
إعتقاد الأخبارية الجدد (صلوات الله وسلامه ورضوانه عليهم) من الحديث، وهو أن الحرب لا تقام إلا بوجود إمامٍ عادل أو مع من أراده الله للحرب ومن هو مكلف بالحرب؛ وأن غاية الحرب غاية سامية وهي إستئصال الظلم والجور من الأرض، حيث لا أثر للظلم والجور في الأرض بل فقط وجود العدل في الأرض وما أجمل العدل، فهذه الغاية الأسمى ولعمري لا يقام هذا العدل إلا بالحرب الدينية التي تستئصل الظلم من جذوره.
ولعمري أن هذه الحروب تخنق النفوس، لما نراه من نتائجها الوخيمة؛ ترى الأطفال تقتل والنساء تقتل والرجال يُقتلون، ترى البيوت خراب والأطفال جياع، ترى الدول تدمر إقتصاديًا وتجعل شعبها يدفع الثمن، ترى من الظلم ما تخنق فيه النفوس، فما الغاية من هذا؟ هل أقاموا عدلًا؟ هل قدموا منفعة؟ أما والله إنهم عاثوا فسادًا في البلاد أما دولة الصاحب عليه الصلاة و السلام وحرب الصاحب عليه الصلاة و السلام فهي حرب دينية غايتها غاية سامية ألا وهي ملء الأرض قسطًا وعدلا كما مُلِئت ظلمًا وجورا فهو الذي يقضي على الظلم حتى لا يبقى أثرٌ له.
قال المهدي (عز مقامه وصلى الله عليه) : إذا أَذِنَ الله لنا في القول ، ظَهرَ الحقُّ واضمَحَلَّ الباطلُ وانحسَرَ عنكم.
بحار الأنوار المقدس – ج٢ – ص٤٦٨
فما أجمل أن يضمحل الباطل ويظهر الحق؟ أليست هذه أسمى غاية؟ أليس في هذا تحقيق الأمن والسلم والأمان في الأرض؟ ما أجملها من غاية
عن أبي سعيد الخدري: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ذكر المهديّ عليه صلاة الله فقال: يخرج عند كثرة اختلاف الناس و زلازل، فيملؤها عدلا و قسطا كما ملئت ظلما و جورا، يرضى به ساكن السماء و ساكن الأرض، و يقسم المال قسمة صحاحا
دلائل الإمامة – ج١ – ص٤٧١
قال: قلت: و ما صحاحا؟ قال: بالسواء، و يغنم الناس حتّى لا يحتاج أحد أحدا، فينادي مناد: من له إليّ من حاجة؟فلا يجيبه أحد من الناس إلاّ إنسان واحد، فيقول له: خذ، قال: فيحثو في ثوبه ما لا يستطيع حمله، فيقول: إحمل عليّ، فيأبى عليه، فيخفّف منه حتّى يصير بقدر ما يستطيع أن يحمله، فيقول: ما كان في الناس أجشع نفسا من هذا، فيرجع إلى الخازن، فيقول: إنّه قد بدا لي ردّه، فيأبى أن يقبله، فيقول: إنّا لا نقبل ممّن أعطيناه، قال: فيمكث سبعا أو ثمانا أو تسعا “يعني سنة” و لا حياة في العيش بعد هذا، أو قال: لا خير في الحياة بعدهنّ.
ما أجمل هذه الدولة التي يقيمها القائم جل مقامه في حربه ضد الظلم والجور، ما أجمل هذه الدولة حيث يرضى بها ساكن السماء والأرض، ما أجمل هذه الدولة حيث تقسم الأموال فيه بالسوية ولا يحتاج محتاج لأحد ما أجملها من دولة عدل ما أجمل هذا الأمن،
فقد ورد عن الحاكم عليه الصلاة و السلام: النعيم في الدنيا الأمن وصحة الجسم.
معاني الأخبار – ج١ – ص٤٠٨
بالختام
إن وعد الله حق، والصبر قد طال والصحراء تنتظر، فترقبوا ظهور مقيم العدل في الأرض فإنه أول العدل وآخر العدل ولا عدل إلا معه؛ جهلوا والله أمر الصاحب إلا الاخبارية الجدد صلوات الله عليه وعليهم.
