ليسَ سؤالُ «الساعةِ» في القرآنِ سؤالَ زمنٍ يُنتظرُ، بل سؤالُ حقيقةٍ تُحجَب، فكلّما اقتربَ السؤالُ من التحديدِ، ابتعدَ الجوابُ إلى الغيبِ، وكأنَّ القرآنَ يريدُ أن ينقلَ الإنسانَ من منطق العد والحسابِ، إلى منطقِ الترقّبِ والاستعدادِ.
{الأعراف_ 187}قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
هذه الآية تؤسسُ لثلاثِ حقائقَ كبرى:
1_ أن العلمَ بالساعةِ مختصٌّ باللهِ
2_ أنَّ الساعةَ ليستْ خفيفةً بل ثقيلةً على الوجودِ.
3_ أنَّ كشفَها قبلَ وقتِها مخالفٌ للحكمةِ الإلهيةِ.
ومن هذا المدخلِ القرآنيّ يبدأ فهمُ الرواياتِ.
المفصلُ الأولُ: لماذا يُمنع توقيت الظهور؟ (رواية المفضّل)
السؤال عن توقيت الظهور ليس سؤالًا هامشيًا، بل هو الامتحان الحقيقي لفهم معنى «الساعة» ولهذا جاء حوار المفضّل مع الإمام الصادق (عليه السلام) طويلًا، متدرّجًا، ومقصودًا في بنائه.
عن المفضّل بن عمر قال:«قلتُ: يا سيدي، هل للمأمور المنتظر المهدي (عليه السلام) من وقتٍ موقّت يعلمه الناس؟
هذا السؤال يمثّل عقل المنتظر الذي يريد الاطمئنان، لا الاعتراض، لكن الجواب جاء حاسمًا:
قال (عليه السلام): حاشَ لله أن يُوقّت ظهوره بوقتٍ يعلمه شيعتنا.
هنا يقطع الإمام الطريق على أي محاولة لتحويل الغيب إلى جدول زمني. لكن المفضّل لا يكتفي، فينتقل إلى السؤال الأعمق:
قلتُ: ولمَ ذاك يا مولاي؟
فيأتي الجواب الذي ينقل القضية من مستوى الظهور إلى مستوى «الساعة» نفسها:
قال (عليه السلام): لأنه هو الساعة التي قال الله تعالى:
﴿يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو﴾.
في هذا الموضع، لا يقدّم الإمامُ تشبيهاً بل تحديدُ مقام: الظهورُ داخلٌ في مفهومِ الساعةِ، لا خارجَ عنها، ثم يؤكدُ هذا المقامَ بسلسلةٍ من الآياتِ، ليربطَ الفكرةَ مباشرةً بالقرآنِ:
وهو الساعةُ التي قال الله تعالى: ﴿عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ ولم يقلْ: إنها عند أحدٍ، وقال: ﴿فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها﴾.{محمد 18 } وقال: ﴿اقتربت الساعة وانشق القمر القمر/1﴾.
وقال: ﴿وما يدريك لعل الساعة تكون قريبًا_الأحزاب 63﴾.
تكرارُ الآياتِ هنا ليس استشهاداً عابراً، بل تثبيتٌ لفكرةٍ واحدةٍ:
ما وُصفَ بالساعةِ لا يُوقّت، لا يُحدّد، ولا يُكشف قبل أوانه.
المفصل الثاني: متى يتحوّل السؤال إلى انحراف؟
بعد تثبيتِ المقامِ، ينتقلُ الحوارُ إلى أخطرِ نقطةٍ: الإلحاحُ على التوقيتِ.
قلتُ: فما معنى يُمارون؟
فيربط الإمامُ بين المراءِ في الساعةِ وبين الأسئلةِ التي تُطرح حول الإمام:
قال: يقولون: متى وُلد؟ ومن رآه؟ وأين يكون؟ ومتى يظهر؟ وكل ذلك استعجالًا لأمر الله، وشكًّا في قضائه، ودخولًا في قدرته.
هنا يُعاد تعريف الانحراف:
ليس الكفر هو الخطر الأكبر، بل الاستعجال الذي يُخفي الشك.
ثم يبلغ الحوار ذروته:
قلتُ: يا مولاي، أفلا يُوقّت له وقت؟!
فيأتي الجواب الذي يحدّد الحدّ العقدي الفاصل:
[إلزام الناصب في إثبات الحجة الغائبج2ص208]قال (عليه السلام):« إن من وقّت لمهدينا وقتًا فقد شارك الله في علمه، وادّعى أنه اطّلع على سرّه»
وبذلك يصبح التوقيت تعدّيًا على الغيب، لا مجرد خطأ في التقدير.
المفصل الثالث: العدل العالمي ومقام الساعة (رواية الإمام الرضا)
بعد بيان مقام الظهور من جهة الغيب، تأتي رواية الإمام الرضا (عليه السلام) لتبيّن ثمرته في الواقع: العدل.
بكى الإمام الرضا (ع) ثم قال:يا دعبل، الإمام بعدي محمد ابني، وبعد محمد ابنه علي، وبعد علي ابنه الحسن، وبعد الحسن ابنه الحجة القائم المنتظر…
ثم يربط الغيبة بالطاعة، والانتظار بالظهور:«في غيبته يُنتظر، وفي ظهوره يُطاع…»
ويكشف الغاية الكبرى:«ولو لم يبقَ من الدنيا إلا يوم واحد، لطوّل الله ذلك اليوم حتى يخرج فيملأها قسطًا وعدلًا كما مُلئت جورًا وظلمًا»
{عيون أخبار الرضا_ الشيخ الصدوق_ ج1_ص297}ثم تُغلق دائرة التوقيت نهائيًا حين ينقل الإمام عن النبي (صلى الله عليه وآله): «مَثَلُهُ مَثَلُ السَّاعَةِ لا يُجَلِّيها لوقتها إلا هو، ثقلت في السماوات والأرض، لا تأتيكم إلا بغتة».
بهذا النص، لا يعود الربط اجتهاداً شيعياً، بل حديثاً نبوياً صريحاً.
المفصل الرابع: الساعة كفصل قبل القيامة (رواية السِّيماء)
قال الله تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾
{الرحمن_41}
يسأل الإمام الصادق (ع) معاوية الدهني: يا معاوية، ما يقولون في هذا؟ قال يزعمون ان الله تبارك وتعالى يعرف المجرمون بسيماهم يوم القيامة فيؤخذ بنواصيهم ويلقون في النار
فلما ذُكر التفسير الأخروي، صحّح الإمام زاوية الفهم دون نفي الآخرة:«وكيف يحتاج الجبار تبارك وتعالى إلى معرفة خلقٍ أنشأهم وهو خلقهم؟»
ثم يبيّن تجلّي الآية في زمن الظهور:
«لو قد قام قائمنا أعطاه الله السيماء، فيأمر بالكافر فيؤخذ بنواصيهم وأقدامهم ثم يخبط بالسيف خبطًا»
{بصائر الدرجات- الصفار القمي، محمد بن الحسن ج : 1ص 379}
هنا تظهر «الساعة» بوصفها ساعة فصل وتمييز، لا انتظار حساب فقط
الخاتمة
بهذا النسق المتكامل، تتضح الصورة: الساعة في القرآن مقام إلهي
والظهور تجلٍّ من تجليات هذا المقام
والتوقيت مرفوض لأن الغيب واحد
فحين يُقال: ﴿يسألونك عن الساعة﴾
فالجواب ليس تاريخًا، بل حجّة إذا ظهرت، تغيّر وجه الأرض، وتمهّد للساعة الكبرى.
