-إثارة القضية عند طرح حادثة الزهراء
إخوتي الكرام، كان ولا زال يتردد كثيراً عندما تُثار قضية الزهراء (صلوات الله عليها)، وعندما نبرهن بالأدلة القطعية النقلية والعقلية على ما جرى، والجو المرعب في ذلك الزمن من أن علياً (عليه السلام) امتنع من الخلافة واعتزلوا في دار الزهراء، كلها قصص وروايات قطعية الصدور من الروايات وأرباب السير، والشهرة كادت تكون إجماعية على القضية كلها، وأنا لا أقول ذلك لأنني شيعي، لا والله، وإنما أقول ذلك لأن الواقع أثبت ذلك.
-تحويل النقاش إلى مسألة الزواج
الناصبي بدلاً من أن يضع يده بيد الشيعي ويقول: نعم، إن عمر فعل ذلك، في قضية الهجوم لأنها واضحة كالشمس، وهناك تفصيلات كثيرة واحتجوا باحتجاجات، لم يناقشوا الدليل، وعجزوا وانهزموا أمام الدليل، قالوا: لا، كيف يمكن أن عمر يهجم ويحرق دار الزهراء (صلوات الله عليها)، وقيل له: إن في الدار فاطمة، قال: وإن؟ الأجواء كلها، حتى الرواية الشيعية لا تخرج وتنفك عن روايات المخالفين، كلها تصب في منحى واحد.
-الاحتجاج بزواج عمر من أم كلثوم
لم يستطيعوا أمام الدليل فقالوا إن عمر تزوج من أم كلثوم بنت علي (عليه السلام)، فنحن بعد ذلك كيف نتوقع أن تحصل هذه القضية فيما بينهم؟.
والله إخوتي، لو كان هناك عدالة تنصف العقول، تنصف التحقيق، تنصف البحث في المواضيع، لاعتبروا هذا القول أحقر الأقوال وأوهنها وأضعفها حجة.
لأننا بصدد حادثة، أنا أتحدث عن حادثة وقعت في الصين، يجيبني أحد بإشكال وقع في البرازيل، لا يتحدث معي حول الإشكال الذي وقع في الصين، بل يذهب إلى البرازيل ويتحدث معي! بالضبط هؤلاء هكذا يفعلون.
أقول مبتدئاً ومستعيناً بالله تبارك وتعالى: أولاً، ما علاقة زواج عمر من أم كلثوم بالحادثة؟ الحادثة ثبتت عقلاً ونقلاً وروائياً وتحقيقاً أن هذا الذي جرى في الواقعة، وعلي (عليه السلام) امتنع من الخلافة، والزهراء استشهدت واجدة وساخطة على أبي بكر وعمر ولم تكلمهما، وكل المصادر بما فيهم صحيح البخاري ذكرت ذلك. إذن ما هي علاقة كونها تزوجت من عمر؟ الشيعي عندما يحاور ويواجه أحداً بهذه القضية فليقل له بدون تردد: ما العلاقة؟ بكل استرخاء، ما علاقة زواج عمر من أم كلثوم بحادثة الزهراء (صلوات الله عليها)، إن قلنا إنها حدثت أم لا؟
تلك قضية حدثت وثبتت، وما تستطيع أن تهين تلك المصادر وتأتي وتكذب الخبر بحجة أن عمر تزوج من أم كلثوم! هذان بحثان مختلفان منفصلان عن بعضهما تماماً، لا تنحرف عن أصل الموضوع الشيعي يجب أن يكون نبيهاً وذكياً، لا ينحرف موضوعه ويظل يبحث في زواج عمر من أم كلثوم، التي لا تساوي ذرة مقارنة بحادثة الزهراء (عليها السلام) إن قلنا بحصولها، قضية “زواج عمر من أم كلثوم” لا تساوي عندي شيئاً!! إن حصلت أو لم تحصل! إن قلنا إن عمر تزوج أم كلثوم أو لم يتزوج؛ ما هو التأثير الذي سيؤثر في العقيدة؟ لا تقدم ولا تؤخر، وليست قضية من العقائد، أنت ناقشني في حادثة الزهراء (صلوات الله عليها)، ودعنا نتباحث، وبعدها نرجع إلى قضية أم كلثوم؛ لا تدعه يربط موضوعين منفصلين مختلفين عن بعضهما.
السؤال هو: ما هي الغاية من خطبة أم كلثوم؟ ما هو السبب؟ ولماذا امتنع علي (عليه السلام) من إعطائها؟ وهل تحقق ذلك الزواج أم لا؟.
-هل يرجع المكلف إلى الفقيه في العقائد؟
متى جاز للمكلَّف أن يرجع إلى الفقيه في مثل هذه القضايا العقدية؟ ذكرت لكم سابقاً أنه قد تجد شخصاً بسيطاً ربما يكون أفضل من مئة فقيه في باب العقائد، لأن الفقيه عمله فقه، فما حاجته بالتاريخ والعقائد؟ وهناك من الفقهاء من هو ضعيف جداً في مسائل العقيدة، لذلك لا يجوز ولا يجب عليك أن ترجع في العقائد إلى الفقيه، وأنا لا أحتاج أن أرجع إلى الفقيه في مسائل مثل زواج المتعة أو الشفاعة أو زيارة القبور أو تحريف القرآن، فهناك عشرات من الناس أفضل من بعض الفقهاء في هذه القضايا، لكن الناس أخذوا فكرة خاطئة أنه إذا صار الإنسان فقيهاً في الفقه صار عالماً بكل شيء، وهذا خطأ جداً، ولذلك ترى كثيراً من الفقهاء ضعافاً في العقائد.
-علاقة الحادثة بالإمامة والخلافة
حادثة الزهراء لها علاقة بالإمامة والخلافة، وبعصيان رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولها علاقة بسرقة الخلافة، بالامتناع عنها ولها علاقة بمسائل كثيرة، فكيف أحوّلها إلى قضية تاريخية؟ نعم، القضية حصلت في التاريخ، وكل شيء حصل في التاريخ حتى العقائد نفسها، ولكن هذا لا يعني أن تتحول القضية إلى قضية تاريخية محضة، فهي قضية عقائدية من صلب العقيدة الشيعية، وأنا أرفض رفضاً قاطعاً أن تتحول قضية الزهراء إلى قضية تاريخية، وأنت ترفضها وأنا أرفض أن تُحوَّل إلى مجرد قضية تاريخية.
-لماذا تضخيم قضية زواج أم كلثوم؟
ما هو السر الذي جعل الأهتمام بزواج أم كلثوم من عمر بهذه الصورة؟ لماذا جُعلت هذه القضية أهم من الصلاة والصوم؟ ولماذا كل ناصبي عندما يُحتج عليه يثير مباشرة قضية زواج عمر من أم كلثوم؟ ترى عندما يُحتج على الناصبي مباشرة يقول لك: زواج عمر من أم كلثوم، ولماذا أصبحت هذه القضية التي لا تساوي عندي شيئاً أهم من الصوم والصلاة؟ أليس هذا يثير الحفيظة بأن وراءها أبعاداً أخرى؟
-أين ذُكر هذا الخبر في الصحاح؟
ولنرجع إلى أصل الإشكال: لماذا هذا الخبر الذي جعلتموه بهذه الأهمية لم يُذكر في صحيح البخاري ولا في صحيح مسلم؟ وكم من حديث رفضتموه بحجة أنه غير موجود في البخاري ومسلم؟ وهذا الضعف الذي شرحته كراراً ومراراً، ومع ذلك هذا الخبر غير موجود لا في البخاري ولا في مسلم؛ بل هذا الخبر غير موجود أيضاً في الصحاح الستة، بل حتى في المسانيد والمعاجم كمسند أحمد بن حنبل ومسند البزار لا يوجد بهذه الصورة التي يُضخَّم بها، وعجيب أن مستوى الأهتمام بهذا الموضوع لا ينسجم مع منشأ هذا الحديث ومنبعه، فالذي يكثر من طرح هذه القضية يفترض أن يكون عنده نص صريح في البخاري أو مسلم، ومع ذلك لا يوجد.
-انتهاء السند إلى أهل البيت
القضية التي تثير الحفيظة أن مسند هذا الخبر ينتهي إلى أهل البيت (سلام الله عليهم) وهذا يجلب الانتباه، ولا بد أن تكون حذقاً ولا تجعل الماء يجري من تحتك هكذا، فالموضوع عندي لا يساوي شيئاً، ولكن تنزلت وبيّنت أنه لا مدخلية له بقضية الزهراء، ثم تنزلت إلى قضية أم كلثوم وأبحث فيها على عجالة، فما هي القضية؟
-عدم انسجام قوة الطرح مع ضعف المصدر
هذا المستوى من الطرح يفترض أن ينسجم مع قوة المصدر، كالصحاح والمسانيد ومع ذلك كلها غير موجودة فيها الرواية، ثم تجدها في زوايا هنا وهناك، بل وترى أن هذا الخبر ينتهي إلى أهل البيت أنفسهم، وهذا يثير الحفيظة، لأنه عندما ينتهي إلى طرق أهل البيت ونحن عندنا المصادر في طرق أهل البيت لا تتحدث عن هذا الموضوع بهذه الطريقة والكيفية، فهذا أيضاً يثير حفيظة الوضع، وكأن القضية وُضعت للتخفيف، عسى ولعل أن تخفف من جناية عمر التي لا تغتفر.
-رواية الحاكم النيسابوري
هنا يجب أن يكون عندك المربط، فإذا لم توجد الرواية في كل تلك المصادر ووجدت في مصادر أضعف كالحاكم النيسابوري مثلاً يذكرها عن الإمام الصادق (عليه السلام)، فما علاقة النيسابوري بالإمام الصادق (عليه السلام)؟ ما معنى أن هذه المصادر البسيطة تذكر ما لم تذكره أمهات كتب العامة؟ فكل الكتب المهمة عندهم لا يوجد فيها ذكر لقضية زواج عمر من أم كلثوم، ولكن تجدها في مصادر أضعف، مثلاً الحاكم النيسابوري يروي عن الصادق (عليه السلام)، وهذا يلفت النظر، لأن البخاري لا يروي عن الصادق (عليه السلام)، ولا مسلم، والناصبي لا يطيق ذكر الصادق وأهل بيته، فما علاقتهم بالصادق حتى ينقل لي النيسابوري عنه في قضية أم كلثوم فقط؟ أليست هذه تثير عندك الحفيظة؟ ثم يروي ويقول: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ويذكر: عن أبيه أن عمر خطب أم كلثوم ابنة علي بن أبي طالب وتزوج بها، ويقول الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
-مناقشة الإسناد والذهبي
دعني ألعب لعبة المسانيد كما يفعل بعضهم، فلعله يعتقد أني لا أعرف الأسانيد، لكن إن فتحت معك ملف الأسانيد أهجم عليك هجومًا، فلنرَ ماذا يقول الذهبي عن الرواية التي ذكرها النيسابوري؟ لأن عندنا ثلاث طبقات وكلها لا يوجد فيها قصة زواج عمر من أم كلثوم، ولا في المسانيد، ومع ذلك الحاكم يروي ويقول حديث صحيح ولم يخرجاه، ثم يأتي الذهبي ويعقب ويرفض هذا الموضوع ويقول: هذا منقطع.
ويقول: رواه البيهقي عن أبي عبد الله الحاكم صاحب المستدرك، وهو شيخه، بسنده عن الصادق (عليه السلام)، وفي السند أحمد بن عبد الجبار، وهذا الرجل كما جاء في (تهذيب التهذيب لابن حجر، ج١،ص٤٥) قال ابن أبي حاتم:«كتبت عنه وأمسكت عن الرواية عنه لكثرة كلام الناس فيه، وقال مطين: كان يكذب، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بقوي عندهم، تركه ابن عقدة» من الترهات، ومن هذا الكلام.
-لعبة علم الرجال
أريد أن ألعب مع الناصبي قليلاً بقضية الرجال وأسقط هذا الحديث الذي تحتجون به بزواج عمر من أم كلثوم، لأن أي حديث إذا دخلنا في لعبة السند يمكن تضعيفه، إذ كل راوٍ في كتب الرجال ممدوح ومذموم، فإذا أردت أن أقوي أذكر المدح، وإذا أردت أن أضعف أذكر الذم، وهذه لعبة كالقمار، نوع من العبث، وأنا لا أحد مثلي يبغض قضية الرجال وتزعجني، لأن فيها ترهات وكلامًا كثيرًا، تريد أن تمدح أحدًا تجد من يمدحه، وتريد أن تذمه تجد من يذمه. أضرب مثالاً: قضية إرضاع أبي طالب، كم واحد كتب لي وقال سندها ضعيف، وفي المقابل أستطيع أن آتيك بسند كله صحيح واحدًا واحدًا، فبأيّهما نأخذ؟ هذه قضية سخيفة، ولا أريد أن أخرج عن الموضوع، لكنها تجبرك أن تنتقل إلى طريقة أخرى في تحقيق صحة الرواية من عدمها، وهذا بحث آخر.
-رواية أم كلثوم بنت أبي بكر
يقول عن أبي خالد: «أن عمر خطب عمر أم كلثوم بنت أبي بكر إلى عائشة وهي جارية»
(كنز العمال ج١٣، ص٦٢٥)
فماذا يتبين؟ يتبين أن أبا بكر عنده بنت اسمها أم كلثوم، طيب هذه أم كلثوم من أين؟ هذه أم كلثوم أخت محمد بن أبي بكر، ومن أمّه؟ من أسماء بنت عميس، فانتبه يا أخي، أسماء بنت عميس تزوجها بعد وفاة أبي بكر علي بن أبي طالب، إذن هنا المربط، أليست ربيبة علي بن أبي طالب؟ أليس هذا يثير الانتباه؟
رواية خطبة عمر لأم كلثوم بنت أبي بكر
انظر ماذا تقول الرواية: «إن عمر خطب أم كلثوم بنت أبي بكر إلى عائشة وهي جارية، فقالت: أين المذهب بها عنك؟ فبلغها ذلك فأتت عائشة فقالت: تنكحيني عمر؟ يطعمن الخشب من الطعام، إنما أريد فتى يصب من الدنيا صبًّا، والله لئن فعلتِ لأذهبنّ أصيحن عند قبر النبي (صلى الله عليه وآله) [وهنا هدية للناصبي: ثقافة الذهاب والحديث عند قبر النبي كانت موجودة منذ زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعائشة لم تعترض وتقل إن هذا شرك، لم تقل لها إن النبي لا يسمعك] فأرسلت عائشة إلى عمرو بن العاص فقال: أنا أكفيك، فدخل على عمر وتحدث عنده ثم قال: يا أمير المؤمنين رأيتك تذكر التزويج، قال نعم، قال: من؟ قال: أم كلثوم بنت أبي بكر، فقال: يا أمير المؤمنين ما أراها إلا جارية تنعى عليك أباها كل يوم، فقال عمر: عائشة أمرتك بهذا؟ فتزوجها طلحة بن عبيد الله ….إلى آخر الرواية».
-أسماء بنت عميس وتربية علي (عليه السلام)
بهذا اللحاظ، أسماء بنت عميس تزوجها علي بن أبي طالب بعد وفاة أبي بكر، وكان عندها محمد بن أبي بكر، فبالتالي أم كلثوم بنت أبي بكر تكون ربيبة علي بن أبي طالب، أليس كذلك؟
نقل شرح إحقاق الحق
تعليق السيد شهاب الدين المرعشي النجفي، ماذا يقول؟ يقول: «ثم ليعلم أن أم كلثوم التي تزوجها الثاني كانت بنت أسماء وأخت محمد، فهي ربيبة مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولم تكن بنته كما هو المشهور بين المؤرخين والمحدثين، وقد حققنا ذلك وقامت الشواهد التاريخية عليه، واشتبه الأمر على الكثير من الفريقين، وإلى أن ثبت وتحقق لدي ذلك استوحشت التصريح به لزعم التفرد في هذا الشأن، إلى أن وقفت على تأليف في هذه المسألة للعلامة السيد ناصر حسين الموسوي، وسمى كتابه إفحام الخصوم في نفي تزويج أم كلثوم».
(شرح إحقاق الحق ج٢، ص٣٧٥)
-النتيجة المستفادة
• إذًا ماذا تستشف من ذلك؟ تستشف أن قضية أم كلثوم هي ربيبة علي بن أبي طالب وليست ابنته، بنص هذه التحقيقات، ومن روايات موجودة في مصادر عامة أيضًا، فالموضوع يختلف تمامًا عن الصورة المشهورة.
عندنا أيضًا رواية تُذكر، سواء في بعض المصادر الشيعية أو في مصادر أخرى، تقول: «إن عمر خطب إلى علي ابنته أم كلثوم، فذكر له صغرها، فقال: ابعث بها إليّ، فإن رضيت فهي امرأتك، فأرسل بها إليه، فكشف عن ساقها، فقالت: لولا أنك أمير المؤمنين لصككت عينيك».
(نيل الأوطار ج٦، ص٢٤٠)
دعونا نتوقف هنا، المتن يحمل قضية مهمة جدًا، فبحسب ظاهر الرواية أن أم كلثوم قالت: لولا أنك أمير المؤمنين لصككت عينيك، يعني لو كان غيرك لفعلت ذلك، أما لأنك أمير المؤمنين فيُتغاضى عن الفعل. وهذا يثير تساؤلًا في نفس النص: هل يُتصور أن يُجعل هذا الفعل مبرَّرًا بهذه الصيغة؟ وهل ينسجم ذلك مع مقام أهل البيت أو مع مقام المرأة في ذلك السياق؟
-ما المراد من وضع هذا الحديث؟
يُفهم من سياق الطرح أن الهدف من وضع بعض هذه الأخبار هو تخفيف العبء عن عمر في قضية الزهراء (عليها السلام)، عبر إظهار علاقة مصاهرة طبيعية مع بيت أمير المؤمنين (عليه السلام)، وكأنها محاولة لتعديل الصورة التاريخية أو تبرير مواقف سابقة، فهل ينسجم ذلك مع المصادر الشيعية؟
عند الرجوع إلى رواية الكافي، ورد عن أبي عبد الله (عليه السلام) في تزويج أم كلثوم قوله: «إن ذلك فرج غصبناه».
(الكافي المقدس ج٥، ص٣٤٦)
المشهور في فهم العبارة أنها تدل على وقوع الزواج بالإكراه، لكن يمكن قراءة النص بوجه آخر، وهو أن أصل الحادثة مفروضة علينا في الروايات وليست ثابتة تاريخيًا، أي أن الغصب هنا غصب الرواية وفرضها، لا غصب الزواج نفسه.
-هل يوجد تضارب في النقل؟
نعم، نجد في نفس المصدر روايات متعددة يظهر بينها اختلاف: مرة تُذكر أم كلثوم بنتًا، ومرة ربيبة، ومرة يُفهم وقوع الزواج، ومرة يُنفى أو يُفهم منه الإكراه. هذا التعدد مع التناقض يفتح باب التساؤل حول ثبوت أصل القصة. وفي (بحار الأنوار ، ج٤٢ ص٨٨) وردت رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) يُفهم منها نفي ما يتناقله بعض الناس، بل فيها استغراب من نسبة الأمر إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، مع طرح بدائل تفسيرية كقصة الجنية التي تمثلت بصورة أم كلثوم، وهو طرح يهدف إلى نفي وقوع الزواج الحقيقي.
-الخلاصة:
ماذا يُستنتج من مجموع الروايات؟ النتيجة أن قصة زواج أم كلثوم – سواء قيل بوقوعها أو نفيها – لا يصح أن تُتخذ دليلًا لتبرير أحداث أخرى أو لإسقاط مواقف عقدية، لأن أصل القصة نفسها محل اضطراب شديد في النقل والفهم، وتعدد وجوه التأويل يدل على عدم وجود نص حاسم متفق عليه. حتى على فرض تحقق الزواج أو عدم تحققه، فإن ذلك لا يغيّر شيئًا في الموقف العقدي المرتبط بقضية الزهراء (عليه السلام)، لأن تلك القضية تُبحث بأدلتها المستقلة، ولا تلازم منطقيًا بينها وبين مسألة مصاهرة محتملة أو مختلف فيها، فمجموع الاضطراب في المتون، وتعدد الأقوال، وضعف الأسانيد، واختلاف تحديد الشخصية، كل ذلك يؤدي إلى اعتبار القصة غير ثابتة تاريخيًا، وأنها استُخدمت لمحاولة التخفيف من تبعات أحداث أخرى.

مارس 6, 2026