مقدمة
هناك ميزان، في طرفه الأول الأحاديث الفقهية والطرف الآخر الأحاديث عدا الفقهية منها، لا تكون فقيهاً إلا بالجمع بينهما، صحيح أن الفقه من الحديث ولكن هذه الأحاديث مرتبطة بالأحكام، أما المراتب ومعرفة الحقائق والعقيدة وتهذيب النفس والأمور المرتبطة بالعقيدة فتكون فاقد نصف العلم، بدون الأحاديث غير الفقهية لن تكون عالمًا، حسب فهمي البعض يركز على الفقه ويترك الحديث، هناك أيضاً باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين، كيف تكون فقيهاً ولا تعرف الجبر والقدر والأمر بين الأمرين والبداء وهذه الأمور العقدية المعقدة، أما الأحاديث الفقهية فهي مقتصرة على بيعك وشرائك ومعاملاتك وعقدك وطلاقك والربا وكل شيء، لذلك وجوده يلغي جميع البرلمانات العالمية.
شاهد من الكافي الشريف
عن معاوية بن وهب قال: «سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: اطلبوا العلم، وتزينوا معه بالحلم والوقار، وتواضعوا لمن تعلمونه العلم، وتواضعوا لمن طلبتم منه العلم، ولا تكونوا علماء جبارين، فيذهب باطلكم بحقكم».
(الكافي المقدس، ج١، ص٥٣)
تعقيب على الحديث
الآن لا تستطيع أن ترى تلك الصورة حتى تعيشها، يعني أنت جالس ترى شخصاً يتحرك أمامك وكأن الحجاب مرفوع عن بصرك، الصور التي تراها تعرف أحكامها، الذي يمزح تعرف ما حكمه، والذي يضرب شخصاً تعرف ما حكمه، والبيع تعرف ما حكمه، وإذا أقسم أحد في البيع تعرف ما حكمه، فأنت تلقائياً ترى نفسك في مرتبة لا يصلها أولئك الناس، لذلك كثير من الناس ملتفتون لطلب العلم.
تحمل المشقة في طلب العلم
العلم يقتضي التضحية بالنفس والمال: «اطلب ولو بسفك المهج وخوض اللجج».
(الكافي، ج١، ص٣٥)
والله العظيم إني من الصادقين، عندما كنت أدرس الفقه كنت أذهب إلى أستاذي في الثانية عشرة ليلاً وأمشي أكثر من كيلومتر قصداً للدرس والعلم، والله العظيم كان هناك معمم من وكلاء الحائري ذهبت إليه في النجف، دخلت إلى غرفته والله كأنها قبر، مساحتها تقريباً مترين بمتر، وهذه التضحيات كلها ليست في سبيل الله لأنه يدرس البدعة منطق وأصول ويذهب ويستجدي المال، بالمقابل أنت في بيتك ويأتيك الدرس وما عليك إلا أن تستمع له.
بيان شيء من فضل العلم
إدارة هيئة الاستفتاءات أخبرتني أن لدي ١٧٠ سؤالاً يحتاج إلى الجواب، لو أجبت على سؤال واحد وهذا الجواب ينتقل للسائل والسائل يعمل به فقد نوّر له طريقه إلى الهدف الذي يريده، ولك مثلها وأنت صاحب الفضل كما في الحديث، في كل باب من كتاب الكافي نأخذ حديثين أو ثلاثة ولكن كل حديث يأخذ عشرة أو عشرين درساً، وأنت تعيش حالة بحر العلم، عندما كان يقال: «العلم بحر كلما غرفت منه وسبحت فيه وجدت نفسك على الجرف» هذا كلام عادي، ولكن عندما تعيش الحالة وصفك يكون أدق لأنك تنظر إلى شيء فتصفه وصفاً دقيقاً، فصفة العالم ليست مرتبة عادية، ترى الناس على حقائقها بتصرفاتهم، ترى أن لكل شيء حكماً كأنك تنظر إلى الناس عراة، تُعلّم الناس ولك مثل فضلهم، وقد تكسب الدنيا وتكسب الآخرة.
بيان أن العلم لا يناله إلا ذو حظ عظيم
«العلم نور يقذفه الله عز وجل في قلب من يشاء من عباده».
(بحار الأنوار، ج١، ص٢٢٥)
مقام العلم مقام جليل لا يناله إلا ذو حظ عظيم، في بدء فتح الدروس وكنا متساهلين، أكثر من ٥٠٠ طالب دخل للجامعة، تبيَّن أن قسماً منهم خونة ومنهم لم يتوفقوا في طلب العلم، ومنهم من لا يزال في مقدمة كتاب الطهارة منذ سنتين لأنه لا يستطيع أن يكون طالب علم.
خاتمة
فلذلك يرى العالم الناس عراة ويعرف التفاصيل حتى يشعر أنه يخدم الله والأنبياء والأئمة، تصل إلى مقام قد يوقع شيئاً من العلو في نفسك والعياذ بالله، ولو تأتي إلى الحقيقة فأنت أعلى من الناس، لكنك كلما ازددت علماً وكلما حملت من صفات العالم يجب عليك أن تتواضع أكثر من تواضعهم إليك، تتواضع لهم بحلمك وسعة صدرك، هو لا يعرف أنك تتواضع لأنك تعرف عظيم الأجر عند الله، هناك من المعممين الجهال إذا جلست معه يُشعرك وكأنك قهوجي، هؤلاء الناس الفارغون علمياً يتجبرون على الناس.

علة كون العالم يرى الناس عراة ولماذا العالم يتكبر ؟ ولماذا يتوقف العلم عند الآلاف من طلبته
حرره صحيفة صحراء النجف
مارس 27, 2026