تمهيد في صوم المستحبات
قلنا: والندب من الصوم يختص وقتًا ولا يختص وقتًا، وذكرت في درس الأمس بأن المستحبات أما أن تكون هناك أيام بعينها، كأيام الجمعة، والأيام البيض، والغدير، ويوم مولد النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، وهناك أيام غير محددة، أي مطلق أيام السَنة تستطيع أن تصوم فيها غير الأيام المحرمة كالعيد مثلاً.
فائدة في صوم يوم عرفة.
وصوم يوم عرفة لمن لم يضعفه عن الدعاء، هذا القيد في المتن «لمن لم يضعفه عن الدعاء» نستفاد منه بأن الدعاء أفضل من الصوم، ما معنى «لمن لم يضعفه عن الدعاء»؟ هناك دعاء في يوم عرفة، فعادة الصائم يكون متعبًا، والصوم يجعله متعبا في أداء الدعاء، فمثل هذا المورد ينتفي استحباب صيام يوم عرفة، لأن المدار هنا هو الاستحباب من عدمه، والأصل في يوم عرفة هو الدعاء، فإذا لم يستطع الإنسان أن يؤدي الدعاء بسبب الصوم انتفى استحبابه
صوم عاشوراء في كلمات الفقهاء
وتحقق الهلال يعني أن يُرى في أول الشهر رؤية لا يحصل فيها التباس، وصوم عاشوراء على وجه الحزن، عندنا كثير من الفقهاء قالوا: إن صوم يوم عاشوراء إذا اعتبر كسائر الأيام يجوز صومه، أي اعتباره كأي يوم من الأيام، وهذا الكلام غير منطقي أبدا، لأن عندنا أحاديث في ذلك.
مثلا في كتاب فقه الرضا يقول:
«وأما الصوم الذي صاحبه فيه بالخيار فصوم يوم الجمعة والخميس والاثنين، وصوم أيام البيض، وصيام ستة أيام من شوال بعد الفطر»
هنا قيّده بيوم بعد الفطر باعتبار أن يوم الفطر محرم صومه، فهو عيد، وأن العيد هو يوم واحد، وجعل العيد ثلاثة أيام بعد الإفطار وأربعة في موسم الحج، وهذه بدعة شرعها أهل البدع، وإلا فالأصل هو يوم واحد.
«ويوم عرفة وعاشوراء، كل ذلك صاحبه فيه بالخيار إن شاء صام وإن شاء أفطر».
وكذلك ما ذكره المصنف(المحقق الحلي) في متنه: «وصوم عاشوراء على وجه الحزن»، لأن الوجه غير المحزن فيه تأسي ببني أمية حيث فرحوا بقتل الحسين، فهنا قيّده على وجه الحزن، أي يستحب صوم ذلك النهار على وجه الحزن لا على وجه غير الحزن، لأن ذلك يُعد تبركا.
وكثير من فقهاء الشيعة قالوا: إن صيام يوم عاشوراء باعتباره من مطلق أيام السنة يجوز، ولا يمكن لنا اعتبار ذلك اليوم كمطلق أيام السنة، لأن هذا الاعتبار منتفٍ بوجود الأحاديث المانعة من ذلك.
الروايات الواردة في النهي عن صوم عاشوراء
عن أبي عبد الله (عليه السلام) سئل عن الصوم يوم تاسوعاء وعاشوراء من شهر محرم، فقال:«تاسوعاء يوم حوصر فيه الحسين وأصحابه بكربلاء، واجتمع عليه خيل أهل الشام وأناخوا عليه، وفرح ابن مرجانه وعمر بن سعد بتوافر الخيل وكثرتها، واستضعفوا فيه الحسين صلوات الله عليه وأصحابه رضي الله عنهم، وأيقنوا أن لا يأتي الحسين ناصر ولا يمده أهل العراق، بأبي المستضعف الغريب، وأما يوم عاشوراء فيوم أصيب فيه الحسين صريعا بين أصحابه، وأصحابه صرعى حوله عراة، أفصوم يكون في ذلك اليوم؟ كلا ورب البيت الحرام، ما هو يوم صوم، وما هو إلا يوم حزن ومصيبة دخلت على أهل السماء وأهل الأرض وجميع المؤمنين، ويوم فرح وسرور لابن مرجانه وآل زياد وأهل الشام، غضب الله عليهم وعلى ذرياتهم، وذلك يوم بكت عليه جميع بقاع الأرض خلا بقعة الشام، فمن صامه أو تبرك به حشره الله مع آل زياد منسوخ القلب مسخوطا عليه، ومن ادخر في منزله ذخيرة أعقبه الله تعالى نفاقا في قلبه إلى يوم يلقاه، وانتزع البركة عنه وعن أهل بيته وولده، وشاركه الشيطان في جميع ذلك»
(الکافي ج ٤، ص ١٤٧)
عن الإمام الرضا (عليه السلام):«من ترك السعي في حوائجه يوم عاشوراء قضى الله له حوائج الدنيا والآخرة، ومن كان يوم عاشوراء يوم مصيبته وحزنه وبكائه جعل الله يوم القيامة يوم فرحه وسروره، وقرّت بنا في الجنة عين، ومن سمّى يوم عاشوراء يوم بركة وادخر لمنزله فيه شيئا لم يبارك له فيما ادخر، وحشر يوم القيامة مع يزيد وعبيد الله بن زياد وعمر بن سعد – لعنهم الله – في أسفل درك من النار».
وعن الرضا (عليه السلام) سئل عن صوم يوم عاشوراء وما يقول الناس فيه عن صوم ابن مرجانه، فقال:«تسألني عن ذلك اليوم؟ صامه الأدعياء من آل زياد لقتل الحسين عليه السلام، وهو يوم يتشايع به آل محمد صلى الله عليه وآله، ويتشايع به أهل الإسلام، واليوم الذي يتشايع به أهل الإسلام لا صوم فيه ولا يتبرك به»
(الأمالي للصدوق ج ۱، ص ۱۲۹)
عن حريز عن زرارة عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) قالا:«لا تصم في يوم عاشوراء ولا عرفة بمكة ولا في المدينة ولا في وطنك ولا في مصر من الأمصار»

صوم التاسع والعاشر من محرم وفك التعارض بالأحاديث وبيان أقوال الأصوليين فيه
حرره صحيفة صحراء النجف
مارس 2, 2026