بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين
من أحاديث الإمام الصادق (صلوات الله عليه) لتلميذه المفضل بن عمر (رضوان الله تعالى عليه): «اتخذ أناس من الجهال هذه الآفات الحادثة في بعض الأزمان كمثل الوباء واليرقان والبرد والجراد ذريعة إلى جحود الخالق والتدبير والخلق، فيقال في جواب ذلك: إنه إن لم يكن خالق ومدبر فلم لا يكون ما هو أكثر من هذا وأفظع؟ فمن ذلك أن تسقط السماء على الأرض، وتهوي الأرض فتذهب سفلا، وتتخلف الشمس عن الطلوع أصلا، وتجف الأنهار والعيون حتى لا يوجد ماء للشفة، وتركد الريح حتى تخم الأشياء وتفسد، ويفيض ماء البحر على الأرض فيغرقها، ثم هذه الآفات التي ذكرناها من الوباء والجراد وما أشبه ذلك، ما بالها لا تدوم وتمتد حتى تجتاح كل ما في العالم، بل تحدث في الأحايين ثم لا تلبث أن ترفع؟ أفلا ترى أن العالم يصان ويحفظ من تلك الأحداث الجليلة التي لو حدث عليه شيء منها كان فيه بواره، ويلذع أحيانا بهذه الآفات اليسيرة لتأديب الناس وتقويمهم، ثم لا تدوم هذه الآفات بل تكشف عنهم عند القنوط منهم، فيكون وقوعها بهم موعظة، وكشفها عنهم رحمة. وقد أنكرت المنانية من المكاره والمصائب التي تصيب الناس، فكلاهما يقول: إن كان للعالم خالق رؤوف رحيم فلم تحدث فيه هذه الأمور المكروهة؟ والقائل بهذا القول يذهب إلى أنه ينبغي أن يكون عيش الإنسان في هذه الدنيا صافيا من كل كدر، ولو كان هكذا كان الإنسان يخرج من الأشر والعتو إلى ما لا يصلح في دين ولا دنيا، كالذي ترى كثيرا من المترفين ومن نشأ في الجدة والأمن يخرجون إليه، حتى إن أحدهم ينسى أنه بشر، وأنه مربوب، أو أن ضررا يمسه، أو أن مكروها ينزل به، أو أنه يجب عليه أن يرحم ضعيفا، أو يواسي فقيرا، أو يرثي لمبتلى، أو يتحنن على ضعيف، أو يتعطف على مكروب. فإذا عضته المكاره ووجد مضضها اتعظ، وأبصر كثيرا مما كان جهله وغفل عنه، ورجع إلى كثير مما كان يجب عليه. والمنكرون لهذه الأمور المؤذية بمنزلة الصبيان الذين يذمون الأدوية المرة البشعة، ويتسخطون من المنع من الأطعمة الضارة، ويتكرهون الأدب والعمل، ويحبون أن يتفرغوا للهو والبطالة، وينالوا كل مطعم ومشرب، ولا يعرفون ما تؤديهم إليه البطالة من سوء النشو والعادة، وما تعقبهم الأطعمة اللذيذة الضارة من الأدواء والأسقام، وما لهم في الأدب من الصلاح، وفي الأدوية من المنفعة، وإن شاب ذلك بعض الكراهة. فإن قالوا: فلم لم يكن الإنسان معصوما من المساوئ حتى لا يحتاج إلى أن تلذعه هذه المكاره؟ قيل: إذا كان يكون غير محمود على حسنه يأتيها، ولا مستحقا للثواب عليها. فإن قالوا: وما كان يضره أن لا يكون محمودا على الحسنات مستحقا للثواب بعد أن يصير إلى غاية النعيم واللذات؟ قيل لهم: اعرضوا على امرئ صحيح الجسم والعقل أن يجلس منعما ويكفى كلما يحتاج إليه بلا سعي ولا استحقاق، فانظروا هل تقبل نفسه ذلك، بل ستجدونه بالقليل مما يناله بالسعي والحركة أشد اغتباطا وسرورا منه بالكثير مما يناله بغير الاستحقاق. وكذلك نعيم الآخرة أيضا يكمل لأهله بأن ينالوه بالسعي فيه والاستحقاق له، فالنعمة على الإنسان في هذا الباب مضاعفة، فإن أعد له الثواب الجزيل على سعيه في هذه الدنيا، وجعل له السبيل إلى أن ينال ذلك بسعي واستحقاق، فيكمل له السرور والاغتباط بما يناله منه. فإن قالوا: أو ليس قد يكون من الناس من يركن إلى ما نال من خير وإن كان لا يستحقه، فما الحجة في منع من رضي أن ينال نعيم الآخرة على هذه الجملة؟ قيل لهم: إن هذا باب لو صح للناس لخرجوا إلى غاية الكلب والضراوة على الفواحش وانتهاك المحارم، فمن كان يكف نفسه عن فاحشة، أو يتحمل المشقة في باب من أبواب البر، لوثق بأنه صائر إلى النعيم لا محالة، أو من كان يأمن على نفسه وأهله وماله من الناس لو لم يخاف الحساب والعقاب؟ فكان ضرر هذا الباب سينال الناس في هذه الدنيا قبل الآخرة، فيكون في ذلك تعطيل العدل والحكمة معا، وموضع للطعن على التدبير بخلاف الصواب، ووضع الأمور في غير مواضعها.» ( توحيد المفضل بن عمر- ص202 – 203)
يُبيّن الإمام الصادق (عليه السلام) أن ما يعرض للإنسان من الآفات والمصائب ليس دليلاً على غياب الرحمة أو انتفاء التدبير، بل هو شاهد على حكمة الخالق في حفظ نظام العالم وتقويم النفوس، إذ إن وقوع البلاء بقدر وارتفاعه بعد حين يكشف عن ميزان دقيق يجمع بين التأديب والرحمة، فلا يترك الخلق هملاً، ولا يؤخذون بما فيه هلاكهم. كما يلفت إلى أن حياة تخلو من كل مشقة تُفضي إلى الغفلة والطغيان، بينما تردُّ الشدائد الإنسان إلى معرفة ضعفه، وتوقظ فيه معاني الرحمة والإنابة، وتجعل الفضيلة ثمرةً لاختيارٍ وسعيٍ يستحق بهما الثواب.
وبهذا تتجلى سنن الله في خلقه قائمةً على العدل والحكمة، فلا يقع شيء إلا بغاية، ولا تُرفع محنة إلا وفيها أثر من الرحمة، ليبقى الإنسان ساعيًا إلى الكمال، مدركًا أن ما يجري في الكون إنما يجري وفق تدبيرٍ محكم لا مجال فيه للعبث أو المصادفة.وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
