“حين تُرهن العبادات بمزاج الاجتهاد”

مايو 5, 2026

يرى الأصوليون أن المكلّف الذي لا يملك القدرة على استنباط الأحكام الشرعية بنفسه، يتعيّن عليه الرجوع إلى الفقيه، وأن “الرسالة العملية” للمرجع الذي يقلّده تُعدّ – بحسب مبناهم – بيانًا عمليًا مُلزِمًا للأحكام الشرعية. وعلى هذا الأساس، تُربط صحة أعمال المكلّف بمدى موافقتها لفتاوى المرجع الذي يجب عليه تقليده.

ومن هنا جاء في فتاوى المرجع علي السيستاني، كما في منهاج الصالحين (ج1):
«إذا لم يكن تقليده على الموازين المعتبرة، فإن أعماله الماضية تُحكم بصحتها إذا تبيّن له صحة تقليده، أو كانت مطابقة لفتوى من يجب عليه تقليده فعلاً».
وكذلك: «إذا لم يقلّد أحدًا في حياته، فإن أعماله الماضية تكون صحيحة إذا وافقت فتوى من يجب عليه تقليده فعلاً».

وبحسب هذا المبنى الاعوج، يصبح رأي المرجع هو الحجة العملية، لا كلام آل محمد (عليهم السلام)، مع أن كلامهم واحد لا يحتمل التعدد أو التناقض، فلو أن إنسانًا عبد الله سنين طويلة بما وصله من أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، فإن عبادته لا تُقبل ما لم توافق فتوى المرجع! بل تُعرض أعماله بعد التقليد كأنها أوراق امتحان: إن وافقت قُبلت، وإن خالفت رُدّت، وإن غيّر تقليده تغيّر الحكم!

أي عبثٍ هذا؟ وإذا كان المرجع يُخطئ ويصيب، فكيف تُجعل صحة العبادة متوقفة على رأيه! حيث كانت الحقيقة واحدة، فكيف يُلزم الناس باتباع آراء متعددة متناقضة؟! وأين هذا من صريح روايات أهل البيت (عليهم السلام) التي تنهى عن هذا المسلك؟

قال الإمام الصادق (عليه السلام):
«إياكم والتقليد، فإنه من قلد في دينه هلك».

(تصحيح معتقدات الإمامية، ص٧٢)

وقال (عليه السلام) أيضًا:
«إياك أن تنصب رجلًا دون الحجة فتصدقه في كل ما قال…».

(الكافي المقدس ج٢، ص٢٩٨)

وعن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله} قال:
«أما والله ما دعوهم إلى عبادة أنفسهم، ولو دعوهم ما أجابوهم، ولكن أحلّوا لهم حرامًا وحرّموا عليهم حلالًا فعبدوهم من حيث لا يشعرون».

(الكافي المقدس ج٢، ص٥٣)

ومع اختلاف أقوال المراجع وتناقضها، فلا بد أن يكون حكم واحد صحيح وما سواه باطل. وبهذا اللحاظ، ووفق الحديث الأخير، يكون المرجع داعيًا إلى نفسه، ويكون المقلّد متبعًا له من حيث لا يشعر.

وعليه، فإن الحجة هي حديث أهل البيت (عليهم السلام)؛ فما وافقه يُعمل به، وما خالفه فهو باطل، ولو عبد الإنسان سبعين ألف سنة فالحجة ما ثبت عنهم (عليهم السلام)، لا ما تغيّر بتغيّر الآراء.

اترك تعليقاً