بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين.
من أحاديث الإمام الصادق (صلوات الله عليه) لتلميذه المفضل بن عمر (رضوان الله تعالى عليه) :«فأما أصحاب الطبائع فقالوا: إن الطبيعة لا تفعل شيئًا لغير معنى، ولا تتجاوز عما فيه تمام الشيء في طبيعته، وزعموا أن الحكمة تشهد بذلك، فقيل لهم: فمن أعطى الطبيعة هذه الحكمة والوقوف على حدود الأشياء بلا مجاوزة لها؟ وهذا قد تعجز عنه العقول بعد طول التجارب. فإن أوجبوا للطبيعة الحكمة والقدرة على مثل هذه الأفعال فقد أقروا بما أنكروا، لأن هذه في صفات الخالق، وإن أنكروا أن يكون هذا للطبيعة فهذا وجه الخلق يهتف بأن الفعل للخالق الحكيم، وقد كان من القدماء طائفة أنكروا العمد والتدبير في الأشياء، وزعموا أن كونها بالعرض والاتفاق، وكان مما احتجوا به هذه الآيات التي تكون على غير مجرى العرف والعادة، كإنسان يولد ناقصًا أو زائد إصبعًا أو يكون المولود مشوهًا مبدل الخلق، فجعلوا هذا دليلًا على أن كون الأشياء ليس بعمد وتقدير، بل بالعرض كيف ما اتفق أن يكون. وقد كان أرسطاطاليس رد عليهم فقال: إن الذي يكون بالعرض والاتفاق إنما هو شيء يأتي في الفرط مرة لأعراض تعرض للطبيعة فتزيلها عن سبيلها، وليس بمنزلة الأمور الطبيعية الجارية على شكل واحد جريًا دائمًا متتابعًا، وأنت يا مفضل ترى أصناف الحيوان أن يجري أكثر ذلك على مثال ومنهاج واحد، كالإنسان يولد وله يدان ورجلان وخمس أصابع كما عليه الجمهور من الناس، فأما ما يولد على خلاف ذلك فإنه لعلة تكون في الرحم أو في المادة التي ينشأ منها الجنين، كما يعرض في الصناعات حين يتعمد الصانع الصواب في صنعته فيعوق دون ذلك عائق في الأداة أو في الآلة التي يعمل فيها الشيء، فقد يحدث مثل ذلك في أولاد الحيوان للأسباب التي وصفنا، فيأتي الولد زائدًا أو ناقصًا أو مشوهًا، ويسلم أكثرها فيأتي سويًا لا علة فيه. فكما أن الذي يحدث في بعض أعمال الأعراض لعلة فيه لا يوجب عليها جميعًا الإهمال وعدم الصانع، كذلك ما يحدث على بعض الأفعال الطبيعية لعائق يدخل عليها لا يوجب أن يكون جميعها بالعرض والاتفاق، فقول من قال في الأشياء إن كونها بالعرض والاتفاق من قبيل أن شيئًا منها يأتي على خلاف الطبيعة بعرض يعرض له خطأ وخلل، فإن قالوا: ولم صار مثل هذا يحدث في الأشياء؟ قيل لهم: ليعلم أنه ليس كون الأشياء باضطرار من الطبيعة ولا يمكن أن يكون سواه، كما قال القائلون، بل هو تقدير وعمد من خالق حكيم، إذ جعل للطبيعة تجري أكثر ذلك على مجرى ومنهاج معروف، وتزول أحيانًا عن ذلك لأعراض تعرض لها، فيستدل بذلك على أنها مصرفة مدبرة، فقيرة إلى إبداء الخالق وقدرته في بلوغ غايتها وإتمام عملها، تبارك الله أحسن الخالقين، يا مفضل خذ ما آتيتك واحفظ ما منحتك، وكن لربك من الشاكرين، ولآلائه من الحامدين، ولأوليائه من المطيعين، فقد شرحت لك من الأدلة على الخلق والشواهد على صواب التدبير والعمد قليلًا من كثير، وجزءًا من كل، فتدبره وفكر فيه واعتبر به. فقلت بمعونتك يا مولاي أقر على ذلك وأبلغه إن شاء الله. فوضع يده على صدري فقال: احفظ بمشيئة الله ولا تنس إن شاء الله. فخررت مغشيًا علي، فلما أفقت قال: كيف ترى نفسك يا مفضل؟ فقلت: قد استغنيت بمعونة مولاي وتأييده عن الكتاب الذي كتبته، وصار ذلك بين يدي كأنما أقرأه من كفي، فلمولاي الحمد والشكر كما هو أهله ومستحقه، فقال يا مفضل: فرغ قلبك واجمع إليك ذهنك وعقلك وطمأنينتك، فسألقي إليك من علم ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله بينهما وفيهما من عجائب خلقه وأصناف الملائكة وصفوفهم ومقاماتهم ومراتبهم إلى سدرة المنتهى، وسائر الخلق من الجن والإنس إلى الأرض السابعة السفلى وما تحت الثرى، حتى يكون ما وعيته جزءًا من أجزاء. انصرف إذا شئت مصاحبًا مكلوءًا، فأنت منا بالمكان الرفيع، وموضعك من قلوب المؤمنين موضع الماء من الصدى، ولا تسألن عما وعدتك حتى أحدث لك منه ذكرًا. قال المفضل: فانصرفت من عند مولاي بما لم ينصرف أحد بمثله.»
(توحيد المفضل – ص 220)
يُبيّن الإمام الصادق (عليه السلام) أن انتظام الطبيعة وجريانها على سنن ثابتة لا يمكن أن يكون دليلًا على استقلالها عن الخالق، بل إن هذا الانتظام نفسه شاهد على وجود التدبير والحكمة، إذ إن الطبيعة لا يمكن أن تمنح نفسها الحكمة التي تجري بها الأشياء على مقاديرها وحدودها. كما يوضح أن وقوع بعض الظواهر على خلاف المألوف، كالنقص أو الزيادة أو التشوه في بعض المخلوقات، لا يدل على أن أصل الخلق قائم على المصادفة والاتفاق، لأن الاستثناء لا ينقض القاعدة، وإنما يكشف عن وجود أسباب وعوارض تؤثر في مجرى الطبيعة.
