“في دفع ما يعترض به الملاحدة والجهال على الحكمة في تباين أحوال الناس، وعدم تعجيل العقوبة”

أغسطس 10, 2026

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

من أحاديث الإمام الصادق (صلوات الله عليه) لتلميذه المفضل بن عمر (رضوان الله تعالى عليه):« الطعن على التدبير من جهة أخرى والجواب عليه، ولعل طاعناً يطعن على التدبير من جهة أخرى، فيقول كيف يكون هاهنا تدبير، ونحن نرى الناس في هذه الدنيا من عَزَّ بَزَّ، فالقوي يظلم ويغصب، والضعيف يُظلَمُ ويسام الخسف، والصالح فقير مبتلى، والفاسق معافى موسع عليه، ومن ركب فاحشة أو انتهك محرما لم يعاجل بالعقوبة، فلو كان في العالم تدبير لجرت الأمور على القياس القائم، فكان الصالح هو المرزوق والطالح هو المحروم وكان القوي يمنع من ظلم الضعيف والمنتهك للمحارم يعاجل بالعقوبة، فيقال في جواب ذلك: إن هذا لو كان هكذا لذهب موضع الإحسان الذي فُضل به الإنسان على غيره من الخلق وحمل النفس على البر والعمل الصالح احتسابا للثواب وثقة بما وعد الله عنه، ولصار الناس بمنزلة الدواب التي تساس بالعصا والعلف ويلمع لها بكل واحد منهما ساعة فساعة، فتستقيم على ذلك ولم يكن أحد يعمل على يقين بثواب أو عقاب، حتى كان هذا يخرجهم عن حد الإنسية إلى حد البهائم، ثم لا يعرف ما غاب ولا يعمل إلا على الحاضر من نعيم الدنيا وكان يحدث من هذا أيضا أن يكون الصالح إنما يعمل للرزق والسعة في هذه الدنيا ويكون الممتنع من الظلم والفواحش إنما يكف عن ذلك لترقب عقوبة تنزل به من ساعته حتى تكون أفعال الناس كلها تجري على الحاضر، لا يشوبه شي‏ء من اليقين بما عند الله، ولا يستحقون ثواب الآخرة والنعيم الدائم فيها، مع أن هذه الأمور التي ذكرها الطاعن من الغنى، والفقر، والعافية، والبلاء ليست بجارية على خلاف قياسه بل قد تجري على ذلك أحيانا والأمر المفهوم، فقد ترى كثيرا من الصالحين يرزقون المال لضروب من التدبير وكيلا يسبق إلى قلوب الناس أن الكفار هم المرزوقون والأبرار هم المحرومون، فيؤثرون الفسق على الصلاح، وترى كثيراً من الفساق يعاجلون بالعقوبة إذا تفاقم طغيانهم، وعظم ضررهم على الناس، وعلى أنفسهم، كما عوجل فرعون بالغرق وبخت‏ نصر بالتيه، وبُلْبَيس بالقتل، وإن أمهل بعض الأشرار بالعقوبة وأخر بعض الأخيار بالثواب إلى الدار الآخرة لأسباب تخفى على العباد لم يكن هذا مما يبطل التدبير، فإن مثل هذا قد يكون من ملوك الأرض ولا يبطل تدبيرهم، بل يكون تأخيرهم ما أخروه وتعجيلهم ما عجلوه داخلا في صواب الرأي والتدبير، وإذا كانت الشواهد تشهد وقياسهم يوجب أن للأشياء خالقا حكيما قادرا فما يمنعه أن يدبر خلقه فإنه لا يصلح في قياسهم أن يكون الصانع يهمل صنعته إلا بإحدى ثلاث خلال، إما عجز، وإما جهل، وإما شرارة، وكل هذا محال في صنعته عز وجل وتعالى ذكره، وذلك أن العاجز لا يستطيع أن يأتي بهذه الخلائق الجليلة العجيبة، والجاهل لا يهتدى لما فيها من الصواب والحكمة، والشرير لا يتطاول لخلقها وإنشائها، وإذا كان هذا هكذا وجب أن يكون الخالق لهذه الخلائق يدبرها لا محالة، وإن كان لا يدرك كنه ذلك التدبير ومخارجه فإن كثيرا من تدبير الملوك لا تفهمه العامة ولا تعرف أسبابه لأنها لا تعرف دخيلة أمر الملوك وأسرارهم، فإذا عرف سببه وجد قائما على الصواب والشاهد المحنة، ولو شككت في بعض الأدوية والأطعمة، فيتبين لك من جهتين أو ثلاث أنه حار أو بارد، ألم تكن ستقضي عليه بذلك وتنفي الشك فيه عن نفسك، فما بال هؤلاء الجهلة لا يقضون على العالم بالخلق والتدبير مع هذه الشواهد الكثيرة، وأكثر منها ما لا يحصى كثرة، ولو كان نصف العالم وما فيه مشكلا صوابه لما كان من حزم الرأي وسمت الأدب أن يقضى على العالم بالإهمال لأنه كان في النصف الآخر وما يظهر فيه من الصواب وإتقان ما يردع الوهم عن التسرع إلى هذه القضية، فكيف وكلما فيه إذا فتش وجد على غاية الصواب حتى لا يخطر بالبال شي‏ء إلا وجد ما عليه الخلقة أصح وأصوب منه.»

( توحيد المفضل بن عمر- ص 210- 213)

يرد الإمام الصادق (عليه السلام) على شبهة القائلين بإهمال التدبير جراء تباين الأحوال في الدنيا (كفقر الصالح، وسعة الفاسق، وتأخير عقوبة الظالم)، موضحاً أن جعل الجزاء والعقاب فورياً ومباشراً يلغي الابتلاء والاختيار الإنساني، ويحرم الإنسان فضيلة الإيمان بالغيب والعمل الصالح احتساباً للثواب، ليجعله كالدابة التي تُساق بالعصا والعلف. كما يبيّن أن الرزق والعقاب قد يعجلان أحياناً لحكم معلومة كمنع إيثار الفسق أو ردع العتاة كفرعون، وأن تأخير الجزاء لأسباب خفية هو عين صواب التدبير الحكيم كتدابير الملوك التي تجهلها العامة. ويستدل بأن التخيل بالإهمال يستلزم العجز أو الجهل أو الشر في الخالق، وهو محال في حق من أبدع هذا الخلق العجيب، متسائلاً كيف يغفل هؤلاء عن آلاف الشواهد الناطقة بالإتقان ليشككوا في التدبير لأجل جزئيات خفية، مع أن كل ما في الكون إذا فُتّش وُجد في غاية الصواب والحكمة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

اترك تعليقاً