“في دفع ما يعترض به الملاحدة والجهال على الحكمة في الموت والفناء، وما يترتب على ذلك”

أغسطس 8, 2026

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطيبين الطاهرين.

من أحاديث الإمام الصادق (صلوات الله عليه) لتلميذه المفضّل بن عمر (رضوان الله تعالى عليه):«الموت والفناء وانتقاد الجهال، وجواب ذلك.
وممّا ينتقده الجاحدون للعمد، والتقدير، والموت، والفناء، فإنّهم يذهبون إلى أنّه ينبغي أن يكون الناس مخلدين في هذه الدنيا، مبرئين من هذه الآفات؛ فينبغي أن يساق هذا الأمر إلى غايته, فينظر ما محصوله، أفرأيت لو كان كل من دخل العالم ويدخله يبقون ولا يموت أحد منهم؟ ألم تكن الأرض تضيق بهم حتى تعوزهم المساكن والمزارع والمعايش؟ فإنّهم والموت يفنيهم أولا فأولا، يتنافسون في المساكن والمزارع، حتى تنشب بينهم في ذلك الحروب، وتسفك فيهم الدماء، فكيف كان يكون حالهم لو كانوا يولدون ولا يموتون؟ وكان يغلب عليهم الحرص، والشره، وقساوة القلوب، فلو وثقوا بأنهم لا يموتون، لما قنع الواحد منهم بشي‏ء يناله، ولا أفرج لأحد عن شي‏ء يسأله، ولا سلا عن شي‏ء مما يحدث عليه، ثم كانوا يملون الحياة، وكلّ شي‏ء من أمور الدنيا، كما قد يمل الحياة من طال عمره حتى يتمنى الموت والراحة من الدنيا، فإن قالوا: إنّه كان ينبغي أن يرفع عنهم المكاره و الأوصاب، حتى لا يتمنوا الموت و لا يشتاقوا إليه، فقد وصفنا ما كان يخرجهم إليه من العتو و الأشر الحامل لهم، على ما فيه فساد الدنيا، والدين، وإن قالوا: إنّه كان ينبغي أن لا يتوالدوا، كيلا تضيق عنهم المساكن، والمعايش، قيل لهم: إذا كان يحرم أكثر هذا الخلق دخول العالم، والاستمتاع بنعم الله (تعالى) ومواهبه في الدارين جميعا، إذا لم يدخل العالم إلا قرن واحد، لا يتوالدون ولا يتناسلون فإن قالوا إنّه كان ينبغي أن يخلق في ذلك القرن الواحد من الناس مثل ما خلق ويخلق إلى انقضاء العالم، يقال لهم: رجع الأمر إلى ما ذكرنا من ضيق المساكن والمعايش عنهم، ثم لو كانوا لا يتوالدون، ولا يتناسلون، لذهب موضع الأنس بالقرابات، وذوي الأرحام، والانتصار بهم، عند الشدائد، وموضع تربية الأولاد، والسرور بهم، ففي هذا دليل على أن كلّما تذهب إليه الأوهام سوى ما جرى به التدبير، خطأ وسفه من الرأي و القول».

( توحيد المفضل بن عمر- ص 208)

يرد الإمام الصادق (عليه السلام)، على اعتراض المنكرين للتدبير الإلهي، الذين يطالبون بالخلود في الدنيا دون موت أو آفات، مفنداً دعواهم ببيان الاستحالة العقلية والاجتماعية لذلك؛ فلو خُلّد البشر لمضت الأرض بضيق المساكن والمعايش، ولتفاقمت الحروب والحرص وقسوة القلوب والملل من الحياة. ولو رُفعت الآفات مطلقاً لطغى الناس وفسد دينهم ودنياهم، ولو توقف التوالد لمنع ذلك نعم الله عن أجيال لا حصر لها وفُقدت أواصر الأرحام وأنس التربية، ولو خُلقوا جميعاً دفعة واحدة لعدنا لمشكلة الضيق والزحام، مما يثبت أن الحكمة المطلقة تكمن في نظام الموت والتناسل الحالي وكلّ ما سواه سفه وخطأ.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

اترك تعليقاً