ظهر مؤخراً المفوض أمير القريشي في أحد المقاطع، وهو يجيب عن سؤال: هل يجوز أن نلطم إذا كان الرادود يتبع المراجع، لكن من دون التدخل بعقائده؟ فأجاب: «لا يجوز، بل أنا أسألك: هل يجوز اللطم والبكاء إذا كان الناعي الشمر أو يزيد؟!»
بادئ ذي بدء، نلاحظ في كلامه تناقضاً جلياً مبنياً على الانحياز العاطفي، وبُعداً عن أحاديث العترة.
فهل كل مستضعف على فطرته خرج عن الإسلام؟ وما ذنبه؟ فالمستضعف يحب آل محمد ويواليهم، ويظن أن باتباعه المرجع يعمل بأحكامهم، ولا يعلم بكفر مراجعه، فلم تبلغه الحجة أصلاً.
فعلى مقتضى كلامه، هل نحكم بكفر كل من لم تبلغه الحجة وإن كان موالياً؟! وعليه يسقط الاستضعاف، ولا تبقى له أي قيمة، فالقريشي أسقط الحجة، بل وأسقط العقل أيضاً، إذ أصبح المعيار هو المقارنة بعالم الحقيقة، لا بما قامت به الحجة.
وبالرجوع إلى روايات أهل البيت (عليهم السلام)، يتبين أن كلام القريشي معارض لها من وجهين:
الوجه الأول: المقلدون ممن لم تبلغهم الحجة، فيُحكم باستضعافهم.
عن حمزة بن الطيّار قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): «الناس على ستة أصناف…» إلى أن قال: ﴿إِلا الْمسْتَضْعَفِينَ مِن الرجَالِ وَالنسَاء وَالولدَانِ لَا يَستطِيعونَ حِيلَة وَلَا يَهتَدونَ سَبِيلًا﴾، «لا يستطيعون حيلة إلى الكفر، ولا يهتدون سبيلاً إلى الإيمان، فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم.»
(الكافي – ج2 – ص381)
فالمقلدون لم يبتدعوا الكفر، ولم تبلغهم الحجة ليهتدوا إلى الإيمان، فكيف حُكم بكفرهم؟! وأي جناية جنوها؟
وعن الإمام علي (عليه السلام): «ولا يقع اسم الاستضعاف على من بلغته الحجة فسمعتها أذنه ووعاها قلبه.»
(ميزان الحكمة – ج4 – ص3429.)
وسأل علي بن سويد الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) عن الضعفاء، فقال: «فالضعيف من لم تُرفع إليه حجة، ولم يعرف الاختلاف، فإذا عرف الاختلاف فليس بضعيف.»
(الكافي – ج8 – ص124.)
فهؤلاء ضعفاء مستضعفون، يؤمنون بالولاية وينكرون النصب، ولم تبلغهم الحجة بكفر مراجعهم، فهم مسلمون مؤمنون.
الوجه الثاني:
حتى لو لم يُحكم له بأحكام المسلمين، فمثله كمثل الناصبي الذي يقرأ القرآن، فهل نغلق آذاننا عن كلام الله؟
عن معاوية بن وهب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يؤم القوم وأنت لا ترضى به في صلاة يُجهر فيها بالقراءة، فقال: «إذا سمعت كتاب الله يُتلى فأنصت له.»
(تهذيب الأحكام – ج3 – ص35)
أما لو كان الشمر نفسه ينعى الحسين (عليه السلام)، فهل يجوز البكاء أو اللطم على نعيه؟ نعم، بل يُستحب البكاء على الحسين (عليه السلام)، إلا إذا اقترن بعنوان آخر، كإعانة الباطل أو نصرة البدعة، فتكون الحرمة عرضية لا ذاتية، لا كما ادعاه القريشي.
الخاتمة
الحق لا يُعرف بالمشاعر والعواطف، وإنما بالحجة والدليل، فجواب القريشي يُهدم بمجرد عرضه على روايات أهل البيت (عليهم السلام).
الله تعالى حكيم عادل، يحتج على خلقه ويحاسبهم بما بلغتهم من حجة، فكيف نكفّر من لم تبلغه الحجة؟! إن هذا طعن بعدالة الله، وعمل بغير المنظومة التي رسمها وبيّنها لنا عن طريق أوليائه.
فلا منفذ إلا باتباع القواعد عن علم كحال الأخبارية الجدد أو الكفر بمخالفة أهل البيت ومنظومتهم كحال القريشي وأمثاله!
