مقدمة
أردت أن أتفرغ تمامًا للحديث عن عبد الله بن سبأ؛ لأن هناك أمورًا كثيرة تتعلق به لا تزال غير واضحة لدى أغلب الشيعة والنواصب.
فقد يقول قائل: ما الذي دفعك إلى القول إن عبد الله بن سبأ مظلوم؟ وهل هو شخصية حقيقية فعلًا؟ ولماذا تعدّه مظلومًا من قِبل أحمد الوائلي ومرتضى العسكري؟ وما كرامة الله لعبد الله بن سبأ بسبب مقالته؟
ولإثبات صحة قولي، اكتب في جوجل: «عبد الله بن سبأ»، وستجد أن 99 بالمئة من النتائج تقول إنه شخصية وهمية، وهذا في نظري غبنٌ لحق عبد الله بن سبأ، وأكثر من ظلمه، بحسب ما أراه، هو مرتضى العسكري.
هل عبد الله بن سبأ شخصية حقيقية؟
إن الادعاء بأن عبد الله بن سبأ شخصية وهمية هو كذب وافتراء، وما أضعف حجة الشيعي في هذا المطلب! فقد جعلوا من كتاب مرتضى العسكري السقف الذي لا علو بعده في قضية عبد الله بن سبأ، مع أنني أرى أنه من أضعف الكتب التي تناولت هذه القضية، ولا سيما أنه يعتمد على روايات سيف بن عمر.
إخوتي الكرام، لقد عاش عبد الله بن سبأ في عهد علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وصدّق به وتأثر بشخصيته، وهنا مربط الفرس؛ إذ إن عبد الله بن سبأ لم يحتمل حقيقة علي بن أبي طالب (عليه السلام) وما رآه منه.
وعلينا أن نحمد الله على حسن العاقبة؛ فمَن منّا لو كان في عهد أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، ورأى ما رآه الناس من معاجزه وكراماته، يستطيع أن يحافظ على إيمانه ولا ينحرف عن جادة الحق؟
سأبيّن لكم كيف كانت علاقة عبد الله بن سبأ بأمير المؤمنين علي (عليه السلام)، وكيف كانت عقيدته صحيحة في بادئ الأمر، قبل أن تتغير وتنحرف.
إيمان عبد الله بن سبأ بأمير المؤمنين.
قال أمير المؤمنين (عليه السلام):« إذا قام أحدكم بين يدي الله جل جلاله فليرفع يده حذاء صدره، وإذا كان أحدكم بين يدي الله جل جلاله فليتحري بصدره وليقم صلبه ولا ينحني، إذا فرغ أحدكم من الصلاة فليرفع يديه إلى السماء ولينصب في الدعاء فقال عبد الله بن سبا: يا أمير المؤمنين أليس الله في كل مكان؟ قال: بلى، قال: فلم يرفع العبد يديه إلى السماء؟قال: أما تقرأ ” وفي السماء رزقكم وما توعدون “فمن أين يطلب الرزق إلا من موضعه، وموضع الرزق وما وعد الله عز وجل السماء.»
عبد الله بن سبأ كان يقول: «يا أمير المؤمنين»، وكان يعرف حق أمير المؤمنين (عليه السلام). لذلك، لا ينبغي أن تتأثر بمقالة هذا وذاك، بل يجب أن تكون لديك فطنة وقدرة على التمييز.
وما أضعفكم حين تلجؤون إلى علم الرجال! فكثير من الباحثين، قبل أن يقرأ الرواية ويفهم مضمونها، يذهب مباشرةً إلى البحث في سندها، وهذا بحد ذاته دمار للبحث العلمي.
ومن الوهن أن نحتج بقول سيف بن عمر الناصبي، ونترك رواياتنا التي تصرّح بأن عبد الله بن سبأ كان صحيح العقيدة.
فإبليس كان من كبار العابدين لله عز وجل، ثم كانت له سوء العاقبة، فلماذا تستبعدون أن يكون عبد الله بن سبأ محبًّا لعلي (عليه السلام)؟ وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي صراحةً: «هلك فيك اثنان: محبٌّ غالٍ ومبغضٌ قالٍ». وعبد الله بن سبأ كان ينادي عليًّا (عليه السلام) بلفظ «يا أمير المؤمنين».
وهذا أمر طبيعي؛ لأن تفكير الإنسان قد يتغير وتتبدل رؤيته بمرور الزمن. وأنا أقول لكم بصراحة: إن جميع المؤلفات التي كتبتها بحاجة إلى مراجعة، وإعادة النظر في بعض النقاط وتثبيتها من جديد؛ لأن رؤيتي قد تغيرت.
مغالاة ابن سبأ بأمير المؤمنين
عن عمار الساباطي، قال:«قدم أمير المؤمنين (عليه السلام) المدائن، فنزل بإيوان كسرى، وكان معه دلف بن مجير منجم كسرى فلما زال الزوال، قال لدلف: ” قم معي ” إلى أن قال ثم نظر إلى جمجمة نخرة، فقال لبعض أصحابه: ” خذ هذه الجمجمة ” وكانت مطروحة، وجاء إلى الإيوان وجلس فيه، ودعا بطست وصب فيه ماء، وقال له: ” دع هذه الجمجمة في الطست ” ، ثم قال عليه السلام: ” أقسمت عليك يا جمجمة، أخبريني من أنا؟ ومن أنت؟ ” فنطقت الجمجمة بلسان فصيح، وقالت: أما أنت، فأمير المؤمنين، وسيد الوصيين، وأما أنا، فعبد الله وابن أمة الله كسرى أنوشيروان. فانصرف القوم الذين كانوا معه من أهل ساباط، إلى أهاليهم، وأخبروهم بما كان وبما سمعوه من الجمجمة، فاضطربوا واختلفوا في معنى أمير المؤمنين عليه السلام، وحضروه وقال بعضهم فيه مثل ما قال النصارى في المسيح، ومثل ما قال عبد الله بن سبأ وأصحابه فقال له أصحابه]: فان تركتهم على هذا كفر الناس، فلما سمع ذلك منهم، قال لهم: ” ما تحبون أن أصنع بهم؟ قال: تحرقهم بالنار، كما أحرقت عبد الله بن سبأ وأصحابه،حضرهم وقال: ” ما حملكم على ما قلتم؟ ” قالوا: سمعنا كلام الجمجمة النخرة، ومخاطبتها إياك، ولا يجوز ذلك إلا لله تعالى، فمن ذلك قلنا ما قلنا، فقال فلما كان اليوم الثالث من إحراقهم، دخل إليه أهل الساباط وقالوا: الله الله في دين محمد صلى الله عليه وآله، إن الذين أحرقتهم بالنار، قد رجعوا إلى منازلهم أحسن ما كانوا، فقال عليه السلام: ” أليس قد أحرقتموهم بالنار، وسحقتموهم وذريتموهم في الريح؟ ” قالوا: بلى، قال: ” أحرقتهم أنا، والله أحياهم ” فانصرف أهل ساباط متحيرين.»
لم يحتمل عبد الله بن سبأ ما رآه من أمير المؤمنين (عليه السلام)، ونحن اليوم أفضل من كثير من الناس الذين كانوا مع أمير المؤمنين؛ لأننا نشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن عليًّا وأولاده المعصومين حجج الله على خلقه.
لم يحتمل عبد الله بن سبأ معاجز أمير المؤمنين (عليه السلام)، ومنها قضية الجمجمة التي أتى بها الإمام وتكلّم معها.
فكيف يُعقل أن يرى الإنسان مثل هذه المعجزة، ثم يبقى على حاله من دون أن يتأثر بها؟ولماذا انتشر الغلو في علي (عليه السلام) خاصةً؟
إن عبد الله بن سبأ لم يحتمل ما رآه من معاجز أمير المؤمنين (عليه السلام)، ونحن لا نبخسه حقه، بل نروي القصة الحقيقية التي أدت به إلى الكفر. فالناس لم تحتمل ما رأته من معاجز عيسى بن مريم (عليه السلام)، مع أن عليًّا (عليه السلام) أفضل من عيسى بمليون مرة. وقد أحيا عيسى الموتى، فكانت هذه المعجزة سببًا في دخول كثير من الناس الجنة، كما كانت سببًا في دخول كثيرين النار؛ لأن الناس اختلفوا في موقفهم منها، فمنهم من آمن، ومنهم من كفر.
سبب رجعة أهل ساباط من الموت
قال الأشعري القمي: « كان أول من أظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة وتبرأ منهم، وادعى أن عليا عليه السلام أمره بذلك، وأن التقية لا تجوز ولا تحل»
وسبب رجوعهم إلى الدنيا أن الله أكرمهم، لتبرئهم من أبي بكر وعمر، مع أنهم ليس لهم في الآخرة من نصيب. ونحن نعتقد أن الله قد يجازي الكافر إذا خدم البشرية في الدنيا، فيزيد في عمره أو يوسّع في رزقه أو يمنحه الصحة والعافية، ولكن ليس له في الآخرة من نصيب.
وعبد الله بن سبأ كافر، وقد مات مغالياً في أمير المؤمنين علي (صلوات الله عليه)، ولكننا لا نبخسه حقه، بل نعرف أسباب كفره، ونقرّ بأن الله لا يضيّع عمل عامل، حتى لو كان كافراً. فالرواية تقول إنهم رجعوا إلى الدنيا، مع أنهم ماتوا كفاراً، وسوف يُحشرون كفاراً، ولعنة الله عليهم في الدنيا والآخرة.
المصادر:
1_ الخصال للشيخ الصدوق – ص642
2_ مستدرك الوسائل – ج18 – ص168
3_ المقالات والفرق للشيخ أبو القاسم الأشعري القمي- ص 20
