مقدمة وتنبيه على الألفاظ.
نحن نعيش أياما مؤلمة، وهي أيام استشهاد النبي (صلى الله عليه وآله)، لكنني أرى بعض الناس يقولون: «وفاة النبي»، وهذا خطأ كبير؛ لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قتل واستشهد، كما ورد في الخبر: «ما منا إلا مقتول أو مسموم»¹.
والمعصومون، سلام الله عليهم، من النبي (صلى الله عليه وآله) وانتهاء بالإمام المهدي (عجل الله فرجه)، ما منهم إلا مقتول أو مسموم. لذلك، فإن إطلاق الأقوال جزافا بشأن وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعد إجحافا بحقه؛ لأننا بذلك نسلب منه صفة الشهادة التي اختارها الله له.
بحثنا اليوم سيكون حول الكشف عن هوية قتلة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، والوقوف على التفاصيل الدقيقة، ومحاولة التوصل إلى كيفية استشهاده (صلى الله عليه وآله) والجهات التي تقف وراء ذلك.
محاولات اغتيال رسول الله (صلى الله عليه وآله)
نحن نعلم أن محاولات قتل النبي كانت كثيرة، وفي شواهد متعددة. وحتى القران الكريم ذكر(وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإين مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم) ²
فهنالك قابلية لقتل النبي وهنالك محاولات كثيرة في قتل النبي (صلى الله عليه وآله).
محاولة اغتيال النبي بسم اليهودية.
هناك رواية يذكرها بعض النواصب، وأنا أعترض على الذين أرادوا تضعيفها، وهي الرواية التي تقول إن امرأة يهودية جاءت وحاولت أن تسم النبي (صلى الله عليه وآله). وأنا أعتقد بصحة هذه الرواية، لما فيها من كرامات للنبي (صلى الله عليه وآله)، تبين أن الإرادة السماوية لم تشأ أن يُقتل النبي في ذلك الوقت، لمصالح كثيرة وحِكم إلهية.
بعض الباحثين الشيعة وقعوا في هذا الوهم، فأرادوا تضعيف الرواية ونفيها، وكان سبب التضعيف، غير مبرر؛ لأنهم أرادوا بذلك أن ينفوا بقاء السم ساريا في جسد النبي (صلى الله عليه وآله) مدة خمس سنوات أو أكثر.
الرواية.
«وأما كلام الذراع المسمومة فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما رجع من خيبر إلى المدينة وقد فتح الله له جاءته امرأة من اليهود قد أظهرت الإيمان ومعها ذراع مسمومة مشوية وضعتها بين يديه فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما هذه قالت له بأبي أنت وأمي يا رسول الله همني أمرك في خروجك إلى خيبر فإني علمتهم رجالا جلدا وهذا حمل كان لي ربيبة ربيته أعده كالولد لي وعلمت أن أحب الطعام إليك الشواء وأحب الشواء إليك الذراع ونذرت لله لئن سلمك الله منهم لأذبحنه ولأطعمنك من شواءة ذراعيه والآن فقد سلمك الله منهم وأظفرك عليهم وقد جئتك بنذري، وكان مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) البراء بن معرور وعلي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ائتوني بالخبز فأتي به فمد البراء بن معرور يده وأخذ منه لقمة فوضعها في فيه فقال علي بن أبي طالب (عليه السلام) يا براء لا تتقدم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال البراء وكان أعرابيا يا علي كأنك تبخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال علي (عليه السلام) ما أبخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولكن أبجله وأوقره ليس لي ولا لك ولا لأحد من خلق الله أن يتقدم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقول ولا فعل ولا أكل ولا شرب فقال البراء ما أبخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال علي (عليه السلام) ما لذلك قلت ولكن هذا جاءت به هذه وكانت يهودية ولسنا نعرف حالها فإذا أكلته بأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فهو الضامن لسلامتك منه وإذا أكلته بغير إذنه وكلت إلى نفسك يقول علي هذا والبراء يلوك اللقمة إذ أنطق الله الذراع فقالت يا رسول الله لا تأكلني فإني مسمومة، وسقط البراء في سكرات الموت، ولم يرفع إلا ميتا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ائتوني بالمرأة، فأتي بها، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ فقالت: وترتني وترا عظيما، قتلت أبي وعمي وزوجي وأخي وابني، ففعلت هذا وقلت: إن كان ملكا فسأنتقم منه، وإن كان نبيا كما يقول، وقد وعد فتح مكة والنصر والظفر، فيمنعه الله منه ويحفظه ولن يضره، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أيتها المرأة لقد صدقت، ثم قال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا يغرنك موت البراء، فإنما امتحنه الله لتقدمه بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولو كان بأمر رسول الله أكل منه لكفي شره وسمه.ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ادع لي فلانا وفلانا، وذكر قوما من خيار أصحابه، فيهم سلمان والمقداد وأبو ذر وعمار وصهيب وبلال وقوم من سائر الصحابة تمام عشرة، وعلي (عليه السلام) حاضر معهم، فقال: اقعدوا وتحلقوا عليه، ووضع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يده على الذراع المسمومة ونفث عليه، وقال: بسم الله الشافي، بسم الله الكافي، بسم الله المعافي، بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء ولا داء في الأرض ولا في السماء، وهو السميع العليم، ثم قال: كلوا على اسم الله، فأكل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأكلوا حتى
شبعوا، ثم شربوا عليه الماء، ثم أمر بها فحبست، فلما كان اليوم الثاني جاء بها، فقال: أليس هؤلاء أكلوا ذلك السم بحضرتك؟ فكيف رأيت دفع الله عن نبيه وصحابته؟ فقالت: يا رسول الله، كنت إلى الآن في نبوتك شاكّة، والآن قد أيقنت أنك رسول الله حقا، فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنك عبده ورسوله، وحسن إسلامها.» ³
شرح الرواية
لا يوجد سم في تاريخ البشرية يبدأ مفعوله بعد خمس سنوات ويظل يؤثر في البدن بهذه الصورة. فالسم الذي يُراد به اغتيال شخصية عظيمة مثل رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا بد أن يكون ذا فاعلية حقيقية تؤدي إلى مفعوله في الحال؛ لأن العملية تتعلق باغتيال أكبر قائد عربي في ذلك العصر، وهو رسول الله (صلى الله عليه وآله).
في ذلك الزمن لم تكن عندهم المعرفة أن هذا السم سيبدأ مفعوله بعد سنوات، أو أنه سيظل مؤثرا في البدن طوال هذه المدة، ولذلك لا يصح تفسير الأمر على أن السم الذي تناوله رسول الله (صلى الله عليه وآله) في خيبر ظل يعمل في بدنه إلى أن أدى إلى استشهاده بعد سنوات.
خطة اغتيال رسول الله متعددة الأطراف.
أنتم تعرفون أن كثيرا من المشركين واليهود أرادوا قتل رسول الله (صلى الله عليه وآله) في ذلك الزمن، وحاولوا ذلك عدة مرات، ولكن محاولاتهم باءت بالفشل. لذلك أرادوا أن يجدوا أرضية صالحة داخل البيت المسلم، أي داخل الإطار الإسلامي، ليقوموا بتنفيذ هذه العملية.
وأنتم تعرفون أن أبا سفيان، لعنه الله، ومعاوية، وهذا الامتداد، لم يكونوا مؤمنين بالإسلام، وإنما أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، ولم يعتقدوا بالنبي (صلى الله عليه وآله). وكانت مصلحة اليهود والمنافقين تقتضي قتل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولا سيما بعد تنصيب أمير المؤمنين خليفة لرسول الله، الأمر الذي كان يغيظ عائشة وأبا بكر وعمر، وهذه الملة الكافرة.
وكذلك فإن الحوادث التي وقعت بعد استشهاد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وما جرى من الاستيلاء على الخلافة وحقوق العترة الهادية (صلوات الله عليهم)، توحي بوجود خطة مسبقة لاغتيال رسول الله (صلى الله عليه وآله).
رواية البخاري، وعلة ذكرها.
عن عائشة قالت:«كان النبي يقول في مرضه الذي مات فيه: يا عائشة ما ازال اجد الم الطعام الذي اكلته بخيبر فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم» ⁴
هذه الرواية وردت في أكثر من موضع في كتاب صحيح البخاري، نحو خمس أو ست مرات، ويُراد من تكرارها التنبيه إلى الحقيقة التي أدت إلى استشهاد النبي (صلى الله عليه وآله). وكأن الرواية توحي بأن النبي (صلى الله عليه وآله) كان متأثرا بالسم الذي أكله في خيبر، وهذا الكلام باطل. ولو صحت الرواية، فيمكن أن يكون تفسيرها أن النبي (صلى الله عليه وآله) يقول: إنني أتذوق الآن الطعم نفسه الذي أطعمتنيه في خيبر، ويمكن أن تحمل الرواية على هذا المعنى.
سم رسول الله (صلى الله عليه وآله).
عن عائشة تقول:«عن عائشة قالت لددنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه، فجعل يشير إلينا أن لا تلدوني. فقلنا: كراهية المريض للدواء، فلما أفاق، قال: ألم أنهكم أن تلدوني؟ قلنا: كراهية المريض للدواء، فقال: لا يبقى أحد في البيت إلا لد وأنا أنظر، إلا العباس فإنه لم يشهدكم…» ⁵
معنى لددناه اي جعلنا في جانب فمه دواه بغير اختياره
هذه الرواية نناقشها من اتجاهين، الأول كيفية التعامل مع رسول الله:
اعتمادا على هذا الحديث، يكون الصبي الذي عمره خمس سنوات أعقل من رسول الله، وحاشا رسول الله (صلى الله عليه وآله) من ذلك. أنا أتذكر عندما كان عمري ست أو سبع سنوات، والله على ما أقول شهيد، أن والدتي جاءتني بدواء وقالت لي: اشربه. فقلت لها: أنا لا أحبه. فقالت: اشرب حتى تشفى. فشربته؛ لأنني سمعت النصيحة واستجبت لها. فهل يعقل أن يكون الصبي في ذلك العمر يسمع النصيحة، ورسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يسمع النصيحة، وهو الذي لا ينطق عن الهوى؟!
ما هذا الاستخفاف برسول الله (صلى الله عليه وآله)؟! هذه مهزلة، وهذه إهانة للإسلام!
الاتجاه الثاني: أن هذه الرواية، على فرض صحتها، فيها دلالة صريحة على أن النبي (صلى الله عليه وآله) قتل بالسم، وأن من أعطته السم هي عائشة، باتفاق مع أبي بكر وعمر (لعنهم الله)، وهذا عندنا لا شك فيه ولا شبهة. وهي، لعنة الله عليها، وضعت هذه الرواية لتبرر لنفسها، كما فعلت في قضية الرضاع الكبير، فأرادت أن تبرر لنفسها، فقالت إن الآية أكلها الداجن.
«لا يبقى أحد في البيت إلا لد»
يعني: كل الموجودين الذين قاموا بعملية اغتيالي، لا بد أن يشربوا من الدواء نفسه الذي شربت منه، وأريد أن أنظر إليكم. وهذا كلام صريح في أن جميع الذين كانوا في الدار، وعلى رأسهم عائشة، قد شاركوا في اغتيال رسول الله مباشرة، من خلال وضع السم له، ولذلك أراد رسول الله أن يسقيهم من السم نفسه الذي شربه، وهذا تصريح من رسول الله على أنهم شاركوا في عملية اغتياله، إلا العباس لأنه لم يكن معهم.
الخلاصة
محاولات اغتيال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا تعد ولا تحصى وفيها مصلحة لأطراف عديدة، تضعيف رواية سم اليهودية للنبي غير صحيح، لما في الرواية من الكرامات للنبي (صلى الله عليه وآله)، عائشة (لعنة الله عليها) هي المنفذ الرئيسي لعملية اغتيال رسول الله، بمساعدة أبو بكر وعمر (عليهم لعنة الله).
————————————————————–
المصادر:
1_ بحار الأنوار – ج27 – ص364
2_ آل عمران 144
3_ بحار الانوار – ج17 – ص317
4_ صحيح البخاري – ج5 – ص137
5_ صحيح البخاري – ج5 – ص143
