النور المحمدي قبل الخلق: بداية مشروع الهداية في عالم الذر

يونيو 21, 2026

بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد

من المهم جدا البدء في سلسلة هذه المقالات بالبحث عن شخصية النبي الأعظم محمد (صل الله عليه وآله) منذ البداية، منذ أن كان نورًا وسيستمر البحث في سلسلة هذه المقالات إلى الإستشهاد، إستشهاد النبي (صل الله عليه وآله).
ويُعدّ موضوع النور المحمدي قبل الخلق من المسائل التي حظيت بأهتمام واسع في التراث الروائي والعقائدي، لما يرتبط به من أبعاد تتصل بعالم الذر ومشروع الهداية الإلهية.
حيث تشير بعض النصوص إلى أن مشروع الهداية الإلهية بدءه الله بمحمد وآل محمد منذ عالم الذر، لذا فإن هدف المقالة دراسة نور النبي وعلاقته بعالم الذر ومشروع الهداية الأعظم.

المبحث الاول: مفهوم النور المحمدي في الروايات

أولاً: معنى النور المحمدي

نور النبي محمد (صل الله عليه وآله) هو عبارة عن نور مخلوقًا من نور الله وهو شبح نور أي ظل النور، بدن نوراني بلا الأرواح الخمسة إلا روحًا واحدة وهي روح القدس بها كان يعبد الله وبعبادته لله عبد الملائكة الله سبحانه وتعالى، هذا النور هو أول ما خلقه الله وهو نور النبي، نورًا بلا جسد بشري فهنالك فرق بين الجسد البشري والنور النبوي.
-الجدير بالذكر إننا في هذا المقام نتكلم بنور النبي فقط وليس أنوار جميع المعصومين عليهم السلام-

ويدلنا على ذلك ما ورد عنهم عليهم الصلاة والسلام:

عن جابر بن يزيد قال: قال لي أبو جعفر (ع): يا جابر, إن الله أول ما خلق خلق محمدا (ص) وعترته الهداة المهتدين, فكانوا أشباح نور بين يدي الله, قلت: وما الأشباح؟ قال: ظل النور, أبدان نورانية بلا أرواح, وكان مؤيدا بروح واحدة وهي روح القدس, فبه كان يعبد الله وعترته, ولذلك خلقهم حلماء علماء بررة أصفياء يعبدون الله بالصلاة والصوم والسجود والتسبيح والتهليل ويصلون الصلوات ويحجون ويصومون.

(الكافي – ج 1 – ص 442)

وتُفهم من هذه الروايات فكرةُ أن للنبي (صلى الله عليه وآله) مقاماً نورانياً سابقاً على الخلق المادي، وأن هذا النور يمثل بداية مشروع الهداية الإلهية.

ثانيًا: سبق خلق النبي

كما أشرنا سابقا، أن اول ما خلقه الله هو نور النبي الأعظم محمد (صل الله عليه وآله) ودلالتها أن للنبي مقامًا عظيمًا بسبقه للخلق إذ أن الله خلق نور النبي وخلق منه كل خير وهذا النور أصبح الوسيلة لعبادة الله وفي هذا النور اختبر الله البشرية ومن قطرات ذلك النور خلقت أرواح الانبياء والمرسلين، فإذا آمنوا به نجو وإذا كفروا به هلكوا، وقد يرد سؤالا في المقام لماذا النبي نال هذا المقام؟ ما الذي فعله النبي لكي يخلقه الله بهذا المقام وهو أساسًا لم يكن موجود حتى يفعل شيء يجعله يستحق هذا المقام؟
فنقول أن هذا في سابق علم الله إن النبي يستحق هذا المقام إذا اختبره الله فلذا خلقه الله بهذا المقام العظيم.
وقد مر نور النبي الأعظم بمراحل عدة ليخلق من كل مرحلة صفة عظيمة أو أمر عظيم.

ويدلنا على كل ذلك ما ورد عنهم عليهم الصلاة والسلام:

عن جابر بن عبد الله قال: قلت لرسول الله (ص): أول شيء خلق الله تعالى ما هو؟ فقال: نور نبيك يا جابر, خلقه الله ثم خلق منه كل خير, ثم أقامه بين يديه في مقام القرب ما شاء الله, ثم جعله أقساماً, فخلق العرش من قسم, والكرسي من قسم, وحملة العرش وخزنة الكرسي من قسم, وأقام القسم الرابع في مقام الحب ما شاء الله, ثم جعله أقساماً, فخلق القلم من قسم, واللوح من قسم, والجنة من قسم, وأقام القسم الرابع في مقام الخوف ما شاء الله, ثم جعله أجزاء, فخلق الملائكة من جزء, والشمس من جزء, والقمر والكواكب من جزء, وأقام القسم الرابع في مقام الرجاء ما شاء الله, ثم جعله أجزاء, فخلق العقل من جزء, والعلم والحلم من جزء, والعصمة والتوفيق من جزء, وأقام القسم الرابع في مقام الحياء ما شاء الله, ثم نظر إليه بعين الهيبة فرشح ذلك النور وقطرت منه مائة ألف وأربعة وعشرون ألف قطرة, فخلق الله من كل قطرة روح نبي ورسول, ثم تنفست أرواح الأنبياء فخلق الله من أنفاسها أرواح الأولياء والشهداء والصالحين.

(بحار الأنوار – ج 25 – ص 21)

المبحث الثاني: عالم الذر والميثاق

أولاً: ما هو عالم الذر

عالم الذر هو عالم جرى فيه تصنيف الخلق بناءًا على أختيارهم أما طاعة وأما معصية ثم أرسلوا إلى عالم الدنيا لكي يجسدوا حقيقة خيارهم فيتحقق الثواب والعقاب بناءًا على نتيجة اعمالهم.

ورد في زيارة السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام: «يا ممتحنة، امتحنك الله الذي خلقك قبل ان يخلقك فوجدك لما امتحنك صابرة». 

(مصباح المهتجد – ص 711)

توضيح: نالت الزهراء عليها السلام مقامها العظيم هذا بناءًا على معرفة الله بها قبل أن يخلقها وكذلك الأمر جرى مع النبي الأكرم محمد (صل الله عليه وآله) كان.

ثانيًا: الميثاق الإلهي والهداية

أن الله سبحانه وتعالى أحتج على المخلوقات بمحمد وآل محمد، أحتج عليهم بقبولهم لولاية محمد وآل محمد عليهم السلام، وأخذ منهم الميثاق على ذلك في عالم الذر ويدلنا على ذلك الروايات أدناه :

عن حمران, عن أبي جعفر (ع) قال: إن الله تبارك وتعالى حيث خلق الخلق خلق ماء عذبا وماء مالحا أجاجا, فامتزج الماءان فأخذ طينا من أديم الأرض فعركه عركا شديدا, فقال لأصحاب اليمين وهم فيهم كالذر: يدبون إلى الجنة بسلام, وقال لأصحاب الشمال: يدبون إلى النار ولا أبالي, ثم قال‏: {ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين}‏ قال: ثم أخذ الميثاق على النبيين فقال:‏ {ألست بربكم} ثم قال: وإن هذا محمد رسول الله, وإن هذا علي أمير المؤمنين, قالوا: بلى, فثبتت لهم النبوة, وأخذ الميثاق على أولي العزم: ألا إني ربكم. ومحمد رسولي. وعلي أمير المؤمنين. وأوصياؤه من بعده ولاة أمري وخزان علمي. وإن المهدي أنتصر به لديني وأظهر به دولتي وأنتقم به من أعدائي وأعبد به طوعا وكرها, قالوا” أقررنا وشهدنا يا رب. ولم يجحد آدم ولم يقر. فثبتت العزيمة لهؤلاء الخمسة في المهدي ولم يكن لآدم عزم على الإقرار به, وهو قوله عز وجل‏ {ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما} قال: إنما يعني فترك, ثم أمر نارا فأججت, فقال‏ لأصحاب الشمال: ادخلوها, فهابوها وقال لأصحاب اليمين: ادخلوها, فدخلوها فكانت عليهم بردا وسلاما, فقال أصحاب الشمال: يا رب أقلنا, فقال: قد أقلتكم, اذهبوا فادخلوها, فهابوها, فثم ثبتت الطاعة والمعصية والولاية.

(بحار الأنوار – ج 26 – ص 279)

أن الله سبحانه وتعالى عندما خلق الخليقة قسمها بعلمه إلى أصحاب اليمين المؤمنين وأصحاب الشمال الكافرين وأخذ عليهم الميثاق بأن الله ربهم و محمد وآل محمد حجج الله منهم النبي ومنهم الأئمة ومنهم المهدي وأمرهم بدخول النار الإبتلائية الوهمية فدخلها أهل اليمين فثبتت عندئذ الطاعة لله من أهل اليمين الذين أقروا بربوية الله وبنبوة محمد وإمامة الأئمة و هابها أهل الشمال فثبتت المعصية آنذاك فمن ها هنا أحتج الله على المخلوقات بمحمد وآل محمد وقسمت المخلوقات إلى أهل اليمين وأهل الشمال ومن ثم أختبرهم بالنار الإبتلائية فثبتت الطاعة والمعصية.

عن إمامنا الباقر (صلوات الله عليه) عن آبائه عن جدّه رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال لأمير المؤمنين صلوات الله عليه: ”أنت الذي احتجَّ الله بك في ابتدائه الخلق حيث أقامهم أشباحا فقال لهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى. قال: محمد رسول الله؟ قالوا: بلى. قال: وعلي أميرالمؤمنين؟ فأبى الخلق كلهم جميعا إلا استكبارا وعتوا عن ولايتك إلا نفر قليل وهم أقل القليل، وهم أصحاب اليمين“.

(الأمالي – ج 1 – ص 338)

عن أبي عبد الله (ع): إن بعض قريش قال لرسول الله (ص): بأي شي‏ء سبقت الأنبياء وأنت بعثت آخرهم وخاتمهم؟ قال: إني كنت أول من أقر بربي وأول من أجاب, حيث أخذ الله ميثاق النبيين‏ {وأشهدهم‏ على‏ أنفسهم‏ ألست‏ بربكم‏ قالوا بلى}‏ وكنت أنا أول نبي قال: بلى. فسبقتهم بالإقرار بالله.

(الكافي – ج 1 – ص 441)

وعند أخذ الميثاق أول من أجاب الله هو النبي محمد صل الله عليه وآله وسلم فمن ها هنا فضل على الانبياء جميعهم.

فحاصله أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق وقسمه إلى أصحاب اليمين وأصحاب الشمال، أما أصحاب اليمين ف هم من أقروا بالربوبية لله وبولاية محمد وآل محمد ونجحوا بإختبار النار الإبتلائية وقسمت مهامهم حسب سرعتهم بالإقرار فتجد أن النبي محمد فضل على الأنبياء لسرعته بالإقرار بالميثاق الإلهي بالربوبية لله وأما أصحاب الشمال ف هم من أقر بالربوبية لله وبالنبوة للنبي ولكنهم جحدوا آل محمد حقهم وفشلوا في أختبار النار الابتلائية فمن ها هنا ثبتت الطاعة والمعصية ويظهر عند القارئ أن كل شيء منذ البداية تعلق بالنبي وآله الكرام صل الله عليهم جميعا.

المبحث الثالث: إرتباط النور المحمدي بعالم الذر

لا يخفى على القارئ أن الله أحتج بالنبي محمد على المخلوقات في عالم الذر فحضرت وتجلت هناك نبوة النبي الأكرم محمد (صل الله عليه وآله وسلم) فهذه الرسالة العظيمة التي تحملها نبوة النبي الأعظم هي ليست حدث تاريخي بل مشروع إلهي سابق للتاريخ معد منذ ذلك العالم عالم الذر.

فقد ورد في رواية علي بن معمّر عن أبيه قال:
سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل: (هذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى) الطور:56، قال: «إن الله تبارك وتعالى لمّا ذرأ الخلق في الذرّ الأول فأقامهم صفوفاً قدّامه، بعث الله محمداً صلى الله عليه وآله فآمن به قوم وأنكره قوم، فقال الله: (هذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى)، يعني به محمداً صلى الله عليه وآله حيث دعاهم الى الله عز وجل في الذرّ الأول». 

(بحار الأنوار – ج 5 – ص 234)

خاتمة:

يتبين من مجموع الروايات المتقدمة أن نور النبي محمد وحضوره في عالم الذر هي روايات لم تُعرض بوصفها حادثة تاريخية بدأت مع البعثة الشريفة فحسب، بل تقدم النبوة بوصفها جزءًا من مخطط إلهي لهداية المخلوقات وتقسيم البشرية إلى رافضي وناصبي، حيث تجلت آثاره في عالم الذر والميثاق الأول.

ومن هنا يظهر الارتباط الوثيق بين النور المحمدي وبين مسيرة الهداية الإلهية عبر العصور، إذ كان النبي صلى الله عليه وآله محوراً للاحتجاج الإلهي على الخلق ومركزاً لمشروع الهداية منذ بدايات التكوين. فلاحظ أخي القارئ المحترم كيف تجلى مقطع من الزيارة الجامعة: “بِكُمْ فَتَحَ اللهُ وَبِكُمْ يَخْتِمُ” في هذه المقالة إذ بهم بدء الله كل شيء وبهم يختم وهم السبب المتصل بين الأرض والسماء.

اترك تعليقاً