بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين،
والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين،
من أحاديث الإمام الصادق صلوات الله عليه لتلميذه المفضل بن عمر رضوان الله تعالى عليه :
فكر يا مفضل في هذه المعادن و ما يخرج منها من الجواهر المختلفة مثل الجص و الكلس و الجبسين و الزرنيخ و المرتك و التوتياء و الزئبق و النحاس و الرصاص و الفضة و الذهب و الزبرجد و الياقوت و الزمرد و ضروب الحجارة و كذلك ما يخرج منها من القار و الموميا و الكبريت و النفط و غير ذلك مما يستعمله الناس في مآربهم فهل يخفى على ذي عقل أن هذه كلها ذخائر ذخرت للإنسان في هذه الأرض ليستخرجها فيستعملها عند الحاجة إليها ثم قصرت حيلة الناس عما حاولوا من صنعتها على حرصهم و اجتهادهم في ذلك فإنهم لو ظفروا بما حاولوا من هذا العلم كان لا محالة سيظهر و يستفيض في العالم حتى تكثر الفضة و الذهب و يسقطا عند الناس فلا تكون لهما قيمة و يبطل الانتفاع بهما في الشراء و البيع و المعاملات و لا كان يجبي السلطان الأموال و لا يدخرهما أحد للأعقاب و قد أعطي الناس مع هذا صنعة الشبه من النحاس و الزجاج من الرمل و الفضة من الرصاص و الذهب من الفضة و أشباه ذلك مما لا مضرة فيه فانظر كيف أعطوا إرادتهم في ما لا ضرر فيه و منعوا ذلك فيما كان ضارا لهم لو نالوه و من أوغل في المعادن انتهى إلى واد عظيم يجري منصلتا بماء غزير لا يدرك غوره و لا حيلة في عبوره و من ورائه أمثال الجبال من الفضة تفكر الآن في هذا من تدبير الخالق الحكيم فإنه أراد جل ثناؤه أن يرى العباد قدرته و سعة خزائنه ليعلموا أنه لو شاء أن يمنحهم كالجبال من الفضة لفعل لكن لا صلاح لهم في ذلك لأنه لو كان فيكون فيها كما ذكرنا سقوط هذا الجوهر عند الناس و قلة انتفاعهم به و اعتبر ذلك بأنه قد يظهر الشيء الظريف مما يحدثه الناس من الأواني و الأمتعة فما دام عزيزا قليلا فهو نفيس جليل آخذ الثمن فإذا فشا و كثر في أيدي الناس سقط عندهم و خست قيمته و نفاسة الأشياء من عزتها
(توحيد المفضل – ص 185-186)
يلفت الإمام الصادق (عليه السلام) نظر الإنسان إلى ما أودعه الله تعالى في الأرض من معادن وجواهر ومواد نافعة كالذهب والفضة والنحاس والرصاص والزبرجد والياقوت والنفط والكبريت وغيرها، مبينًا أن هذه كلها خزائن وهيأها الله لمصلحة البشر ليستخرجوها وينتفعوا بها عند الحاجة.
ثم يوضح أن الإنسان رغم حرصه الشديد لم يستطع أن يصنع الذهب والفضة كما يشاء، لأن في ذلك حكمة إلهية، فلو أمكن للناس إنتاجهما بكميات كبيرة لفقدت قيمتهما وتعطلت مصالح الناس في التجارة والإدخار والمعاملات.
كما يشير إلى أن الله أباح للإنسان بعض الصناعات النافعة التي لا يترتب عليها فساد، ومنعه مما يؤدي إلى الإضرار بنظام الحياة.
ثم يبين أن كثرة الشيء تؤدي إلى سقوط قيمته، وأن نفاسة الأشياء وعظم ثمنها إنما تكون بسبب ندرتها وعزتها بين الناس، وفي ذلك دلالة على حكمة الله وقدرته وحسن تدبيره لشؤون الخلق.
هذا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
