الكشف عمّن يقف وراء ما يُسمّى بكلاب الزهراء أو كلاب الحسين عليهما السلام

فبراير 11, 2026

مقدمة

هذا الموضوع شغل حيّزًا كبيرًا بين أبناء الشيعة، كما استغلّه المخالفون للتشنيع كعادتهم وهذا أمر لا نُعيره أدنى اهتمام، إنما أردت الوقوف وقفة علمية وشرعية لبيان الموقف الحقيقي من هذا العنوان، ومن أين جاءت هذه الفكرة، وهل هي شرعية أم غير شرعية، مع التوقف عند مسألة كرامة الإنسان التي كرّمه الله بها.

كرامة الإنسان

الله عز وجل خلق الإنسان كريمًا، عزيزًا، وجعله سيّد المخلوقات بعقله، ومن هنا يُثار الإشكال: كيف يمكن للإنسان أن يتشبّه بالكلب؟ وهل في ذلك إهانة أو إذلال؟ وقد رأينا هذا الجدل محتدمًا على الإنترنت، وصراخًا متبادلًا، حتى من أناس لا يلتزمون بأبسط القيم، ومع ذلك يتصدّرون الحكم على الآخرين.
أقول بوضوح، وهذا موقفي بيني وبين الله: كل فعلٍ فيه إذلالٌ للإنسان فهو محرّم شرعًا ولا يجوز، لأن الله خلق الإنسان عزيزًا ويبقى عزيزًا، لكن ينبغي الالتفات إلى الاستثناء المهم، وهو ما إذا كان هذا التذلّل لمن كان أولى بالإنسان من نفسه، هنا يُطرح السؤال: هل التذلّل للمعصوم داخل في هذا التحريم؟ الجواب: لا.

تفصيل الموضوع

الذين يطلقون على أنفسهم كلاب الزهراء أو كلاب الحسين لا يقصدون التشبيه الحيواني ولا الإهانة، وإنما يقصدون اختيار أقصى درجات الطاعة والتذلّل للزهراء والحسين (عليهما السلام) هذا الفعل ليس واجبًا ولا إلزاميًا، ومن تركه فلا حرج عليه، ومن فعله مع مراعاة الزمان والمكان وعدم إثارة الفتنة فهو مأجور ومثاب، بل أرى فيه الاستحباب، لأن الثواب نابع من اختيار أعلى مراتب الخضوع لمن افترض الله طاعتهم.
ولتوضيح المعنى عرفًا، قبل سنوات اتصلت بأحد الإخوة وطلبت منه أن يأتي بي إلى مكان، فقلت له باللهجة العراقية:«مولانا لا تنساني»، فأجابني قائلاً:« شيخنا أجيك على راسي» لم يكن يقصد الإهانة، بل اختار أقصى تعبير عرفي ليقول إنه سيأتي ولو زحفًا، وهذا هو نفس المعنى المقصود بقولهم نأتيك زحفًا يا حسين، أو كلاب الزهراء، أي الطاعة المطلقة وعدم التخلّف، هذا المعنى لم يخترعه عوام الناس، بل عبّر عنه كبار العلماء، كالشيخ المفيد، وهو من هو في العلم والمقام، أوصى أن يُدفن عند الإمامين الكاظمين، وكُتب على قبره:{ وَكَلْبُهُم بَـٰسِطٌۭ ذِرَاعَيْهِ بِٱلْوَصِيدِ ۚ}(سورة الكهف آية ١٨) اختار هذا اللفظ عن وعي ومعرفة لا عن جهل أو تهوّر.

الفرق بين الذلة المحرّمة والتذلّل المشروع

الأهم من ذلك هو مقارنة هذا الكلام بالقول الأول الذي يذهب إلى التحريم، تجد هذا الذي يسير إلى الحسين ويطلق على نفسه كلب للحسين، والمراد به أقصى غايات الطاعة والتذلّل لمن يعشق، تراه شامخ الأنف أمام أكبر جبابرة العصر، لا يطأطئ رأسه ولا يتذلّل، لأن تلك ذلّة محرّمة، الإنسان إذا تذلّل بمقدار شعرة لمن لا يستحق التذلّل فهذا محرم وإهانة ومعاقب عليه، وقد وردت في ذلك روايات كثيرة.

لماذا لا يُقال خادم الحسين؟

قد يقول قائل: لماذا لا تقول خادم الحسين؟الجواب: يجوز قول خادم الحسين، لكن من منا يبلغ مرتبة خادم الحسين؟ الملائكة تتنافس على خدمة أهل البيت.

( بحار الأنوار ج١٦ ص٣٦٤)

لماذا اختير وصف الكلب؟

أما لماذا اختير وصف الكلب،

(لئالي الأخبار، ج٥،ص ٣٨٧)

شاهد أخير من الأخبار

(بحار الأنوار، ج١٤، ص ٤٢٣)

وسبب دخول كلب أصحاب الكهف الجنة لطاعته

تفسير كلب أهل الكهف عند المخالفين

ومن أحد تفاسير النواصب يقولون إن كلب أهل الكهف ليس كلبًا حقيقة، بل هو أحد أفراد أهل الكهف فسُمّي كلبًا بيانًا لولائه وطاعته
«وكلبهم أكثر المفسرين على أنه كلب حقيقة كان لصيد أحدهم فيما روي، وقيل كان لراعٍ مرويٍّ عليه فصحبهم وتبعهم الكلب.

(المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية الأندلسي، ج٣ ص٥٠٤)

دلالة التفسير وموافقته للتحقيق

هؤلاء هم كلاب الزهراء والحسين في كتب النواصب، وهذا التفسير مطابق للتحقيق مئة بالمئة، لدي قدرة قوية جدًا في مناقشة المتون، فالطباخ يخدم، والخادم مطيع، وقالت فرقة كان مثل الكلب حارسًا يتابع، فسماه القرآن كلبًا، فهل يُستكثر على عاشقين أن ينقلوا رسالة: يا زهراء طاعتنا لك كطاعة الكلب لصاحبه، وولاؤنا لك كولاء الكلب لصاحبه؟ أين المشكلة؟ لا إشكال في ذلك أبدًا.

الأوصاف المجازية في لسان العرب

عندما يقال عن شخص شجاع، ففي اللهجة العربية يقال عنه ذئب، فهل أُريد جعله حيوانًا؟ كلا، وإنما للدلالة على الشجاعة، ويقال أسد للقوة والبأس، وتفتخر العرب بذلك، وكذلك الكلب يُطلق على الولاء والعشق والطاعة.

الحكم والخلاصة

فالذي يفعل ذلك يثاب على هذا الفعل في الزمان والمكان المناسبين كي لا يسبب فتنة عرضية، ومن لا يفعله فهو حر، وأصل الفعل ومنشؤه لا يصطدم مع أي حكم شرعي، والمراد به الطاعة المطلقة، وهذا أمر لا إشكال ولا شبهة فيه.

اترك تعليقاً