بسم الله الرحمن الرحيم،
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين،
جاءَ من جُملةِ أحاديث الإمام الصادق صلوات الله عليه لتلميذه الخاص المفضل بن عمر رضوان الله تعالى عليه ما نصه:
«يا مفضّلُ، تأمّل وجهَ الدابّة كيف هو، فإنّك ترى العَينينِ شاخصتَين أمامها لِتُبصرَ ما بَين يدَيها لئلّا تصدمُ حائطًا أو تتردّى في حُفرةٍ وترى الفم مشقوقًا شقًّا في أسفل الخطم، ولو شُقّ كمكان الفم من الإنسان في مقدّم الذّقنِ لما استطاعَ أن يتناولَ بهِ شيئًا من الأرض، ألا ترى أن الإنسان لا يتناول الطعامَ بفيهِ و لكن بيدهِ تكرمه له على سائر الأكلات، فلما لم يكن للدابّة يدٌ تتناولُ بها العلفَ جعلَ خرطومَها مشقوقًا من أسفلِه لتقبضَ على العلف ثُمّ تقضمه وأعينت بالجحفلةِ لتتناولَ بها ما قرُبَ وما بَعُد اعتبر بذنبها والمنفعة لها فيه فإنّه بمنزلة الطبق على الدبر والحياء جميعًا يواريهما ويسترهما ومن منافعها فيه أن ما بينَ الدُّبرِ ومراقي البطنِ منها وضر يجتمع عليها الذباب والبعوضُ فجعلَ لها الذّنبَ كالمذبّةِ تذبّ بها عن تلك المواضع ومنها أن الدابّة تستريح إلى تحريكه وتصريفه يمنة ويسرة، فإنّه لما كان قيامها على الأربع بأسرها وشغلت المقدمتان بحملِ البدَنِ عن التصرُّفِ والتقلُّبِ كان لها في تحريك الذَّنبِ راحةٌ وفيه منافعٌ أخرى يقصرُ عنها الوهمُ فيعرفُ موقعَها في وقت الحاجة إليها فمن ذلك أن الدابّةَ ترتطم في الوحل فلا يكون شيء أعون على نهوضها من الأخذ بذنبها، وفي شعر الذَّنبِ منافعٌ للناس كثيرةٌ، يستعملونها في مآربهم ثمّ جعل ظهرَها مسطّحًا مبطوحًا على قوائمِ أربع ليتمكّنَ من ركوبها، وجعَل حياها بارزًا من ورائها ليتمكّنَ الفحلُ من ضربها ولو كانَ أسفل البطن كما كان الفرج من المرأة لم يتمكّن الفحلُ منها، ألا ترى أنّه لا يستطيع أن يأتِيَها كفاحًا كما يأتي الرجلُ المرأةَ».
(توحيد المفضل ص130)
الإمام الصادق (عليه السلام) يوضّح أن كلَّ عضو في الدابّة موضوعٌ لحكمة؛ فالعينان في مقدمة الوجه لتبصرَ الطريقَ، والفمُ في أسفل الخطمِ لأن الدابّةَ لا تملك يداً فتتناولُ العلفَ مباشرةً من الأرض، والذنب جُعل لستر العورة ودفع الذُّباِب ولراحةِ الدابَّة عند تحريكه، وله منافعٌ أخرى كثيرة.
كما جُعل ظهرها مسطحًا ليركبها الإنسان، وحياؤها في الخلف ليتمكّنَ الفحلُ من التزاوجِ.
يبيّن الإمامُ بهذا انسجام الخِلقة ودقّة الصُّنع الإلهي في أبسط التفاصيل.
هذا وآخِرُ دَعوانا أنِ الحَمدُ للهِ ربِّ العالمين.
