بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صلِّ على محمد وآل محمد
شاع في الأوساط الدينية لغطٌ حول قضية أفضلية الإمام الحجة بن الحسن المهدي (عجّل الله فرجه) على سائر الخلائق، وهي المسألة التي انحصرت مداراتها بين يدي “الأخبارية الجدد” وعلى رأسهم الشيخ واثق الشمري؛ إذ يُعدّ أول من جهر بالقول بتفضيله (عليه السلام)، مستندًا إلى مرويات وأحاديث مرّت على الأبصار مرور الكرام، ولم يُلتفت إلى عميق دلالاتها سواه – كما يذهب إليه الشيخ نفسه – واصفًا هذا الالتفات بأنه «منٌّ إلهي» واختصاصٌ ربّاني، ليُظهر به «الصعب المستصعب» من علومهم، ويُمَحِّص به من لا يطيق مع الإمام صبرًا.
وفي سياق هذه المقالة، سنشرع في تبيان حقيقة دعوة الشيخ واثق الشمري، سابرين أغوارها لبيان وجه الصواب أو الخطأ فيها، مع فتح آفاق السؤال والتأمل أمام القارئ.
أولًا: رواية الكوكب الدري ودلالتها على الأفضلية
طرح الشيخ واثق الشمري، على قناة صوت الناقد، في بث بعنوان:
«هلاك نبي الله آدم، وأكذوبة العصمة، وخدعة عالم الذر، ودخول محمد النار، وفضل كل إمام بزمانه»
الرواية الآتية: روى ابن شاذان بإسناده قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «ليلة أُسري بي إلى الجليل جلّ جلاله أوحى إليَّ: آمن الرسول بما أُنزل إليه من ربه، قلت: والمؤمنون، قال: صدقت… إلى أن يقول: يا محمد، تحب أن تراهم؟ قلت: نعم يا رب، فقال لي: التفت عن يمين العرش، فالتفتُّ، فإذا أنا بعليٍّ، وفاطمة، والحسن، والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وعلي بن محمد، والحسن بن علي، والمهدي، في ضحضاحٍ من نور، قيامٌ يصلّون، وفي وسطهم المهدي، يضيء كأنه كوكب دري، فقال: يا محمد، هؤلاء الحجج، والقائم من عترتك، وعزّتي وجلالي، له الحجة الواجبة لأوليائي، وهو المنتقم من أعدائي، به يُمسك الله السماوات أن تقع على الأرض إلا بإذنه». (بحار الأنوار، ج 27، ص 199)
من أبرز الروايات التي طرحها الشيخ واثق الشمري، ولا يزال الأخبارية الجدد يناظرون ويحاورون فيها، هي الرواية أعلاه.
وهنا يُطرح سؤال في المقام: هل هذه الرواية حقًّا تدل على أفضلية الحجة بن الحسن أم لا؟!
عند تفكيك عبارات الرواية بنظرة منصفة، بعيدًا عن المنهج الذي ينتهجه أي شخص، نجد ما يأتي:
قوله: «في ضحضاحٍ من نور، قيامٌ يصلّون، وفي وسطهم المهدي»
نور محمد وآل محمد (عليهم السلام) كلهم كانوا في هذا الضحضاح من نور، قيامًا يصلّون، فلماذا كان المهدي في وسطهم؟ ما معنى هذا التوسّط ولماذا يشير الحديث إلى تمييز المهدي عن غيره من المعصومين؟ هنا ميّز الحديث المهدي، وأشار إليه دون غيره من المعصومين. هذا التوسّط، كيف يُفسَّر؟ يُطرح سؤال في المقام بمحاولة تفسير معنى التوسّط: عندما ترى سرب الطيور، وترى في وسطهم طيرًا مميزًا عنهم، ماذا تقول؟ هل تقول إن هذا الطير هو قائدهم؟ أم تقول إنه مثلهم؟ أو عندما يقف عشرة رجال، ويتوسّطهم شخص مميز، فماذا تقول؟ هل هو قائدهم؟ أو عندما تصلّي جماعة، وتجد أن إمام الجماعة يتوسّط الناس، فماذا تقول؟ هل هو إمامهم في الصلاة؟
هذه الأمثلة كلها – مع الفارق – فعندما نرجع إلى قضية توسّط المهدي، ماذا نقول عنه؟
هل هذه عملية التوسّط عملية قيادة في الفطرة؟ وهل هو إمامهم وأفضلهم؟ ولماذا لم يكن النبي محمد (صلّى الله عليه وآله) أو أمير المؤمنين (عليه السلام) هما المتوسّطان للأنوار جميعها؟ أم نقول إن شأنه شأنهم، ولا يدل ذلك على شيء؟
ثم ينتقل الحديث في الرواية إلى جزئية أخرى، وهي قوله:
«يضيء كأنه كوكب دري»
عند التمعّن في هذه العبارة، وما تحمله تحتها من معانٍ، ماذا نقول؟
هل جميع المعصومين في الضحضاح يضيئون، وهم سنخ من نور الله، لكن المهدي بينهم كوكب دري، نوره مميز عن نورهم؟ كلهم نور، ولكن نور المهدي يختلف؛ فما علة هذا التمييز؟ ولماذا نوره أوسع من نورهم؟ وهل ميزة وسطوع نوره دلالة على أفضليته؟ أي: هل النور معيار، حتى يستدل الشيخ واثق الشمري بهذه الرواية؟
والإجابة على هذه الأسئلة:
إما أن نقول إن النور معيار، بدليل هاتين الروايتين:
«ونظر آدم إلى طائفةٍ من ذريته يتلألأ نورهم، فقال آدم: ما هؤلاء؟
قال: هؤلاء الأنبياء من ذريتك، قال: يا رب، فما بال نور هذا الأخير ساطعًا على نورهم جميعًا؟ قال: لفضله عليهم جميعًا، قال: ومن هذا النبي يا رب؟ وما اسمه؟ قال: هذا محمد نبيي ورسولي وأميني…»
(إثبات الهداة بالنصوص و المعجزات ج ۱، ص ۱۹۲)
عن صالح بن سهل الهمداني قال:«قال أبوعبد الله(عليه السلام) في قول الله تعالى: “الله نور السماوات والارض مثل نوره كمشكاة” فاطمة’” فيها مصباح ” الحسن ” المصباح في زجاجة ” الحسين ” الزجاجة كأنها كوكب دري فاطمة كوكب دري بين نساء أهل الدنيا»
(الكافي ج١ ص ١٩٥)
في هذه الرواية كان نور النبي ساطعًا على نورهم جميعًا لفضله عليهم جميعًا، فأصبح النور هو المعيار.
والسيدة الزهراء (عليها السلام) كوكب دري بين نساء أهل الدنيا لأنها أفضل نساء أهل الدنيا، فالكوكب الدري هو النور المعياري المرتبط بالأفضلية لمن أُطلق عليه وصف كوكب دري.
فنور الصاحب بين جميع الأنوار يضيء كأنه كوكب دري من بين جميع الأنوار؛ نوره مميز، طاغٍ، وأعظم وأسطع نورًا، فهل الكوكب الدري هو النور الساطع الأعظم، والضحضاح من نور هو النور الأقل سطوعًا بالمقارنة مع الكوكب الدري؟ أم تقول إن النور ليس المعيار، وهذه الرواية – «لفضله عليهم» – لا تتكلم عن الأفضلية؟
وهنا تتفجّر تحتها الأسئلة.
فإذا كانوا جميعًا من نور الله، فلماذا يطغى نور الصاحب عليهم؟ هل لميزةٍ في نور الصاحب؟ ولماذا يشير الحديث إلى أن نور النبي محمد أعظم من نور الأنبياء لفضله عليهم؟ولماذا نور المهدي ساطع أكثر منهم؟ هل لنفس علّة نور النبي؟ أم هناك علّة أخرى؟وقد نقول: نعم، إن النور هو المعيار، ولكن النبي محمد غير مذكور في هذه الرواية، فهنا يكون أفضل الأئمة، لا أفضل من رسول الله.
ولكن في رواية أخرى يُذكر النبي محمد (صلّى الله عليه وآله).
نص الرواية:
«يا محمد، أتحب أن ترى صورة شبحك وأشباح خلفائك من بعدك؛ عليٍّ، وأحد عشر إمامًا من ذريته؟ قلت: نعم يا رب، فأوحى – تعالى – إليَّ أن تقدّم أمامك، فتقدّمت، فإذا أنا بأشباحٍ من نورٍ يتلألأ، مكتوبٌ عليها بالنور أسماؤنا، وهي:محمد، وعلي… إلى أن يقول: «… بن الحسن، وهو في وسطهم شبيه الكوكب، وهو في وسطهم شبيه الكوكب الدري فقلت: يا رب، من هؤلاء؟فأوحى إليَّ: «يا محمد، هذه ابنتك، والخلفاء من ولدها من ذرية وصيك علي، وهذا الذي بينهم كالكوكب الدري هو القائم المهدي».
فهل هنا المهدي أفضل، أم رسول الله وأمير المؤمنين (عليهم السلام) جميعًا؟
ثم ينتقل الحديث إلى جزئية أخرى، وهي: لماذا عندما ذكر الله الحجج ميّز القائم عنهم بقوله:
﴿يا محمد، هؤلاء الحجج، والقائم من عترتك﴾؟
عند الرجوع إلى القرآن الكريم نجد أن الله سبحانه وتعالى يستخدم أسلوب التمييز، مثل قوله تعالى:
﴿فيهما فاكهة ونخل ورمان﴾ ( سورة الرحمن)
وقوله:﴿من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكَىٰلَ﴾ (سورة البقرة)
وقوله: ﴿وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم﴾ (سورة الأحزاب)
ومثل هذه الآيات كثير، فلماذا يستخدم الله أسلوب التمييز؟ أليس الرمان من الفاكهة؟ أليس جبريل من الملائكة؟ أليس نوح وإبراهيم وموسى من الأنبياء؟ فلماذا هذا التمييز؟! عند البحث والتفحّص نجد أن التمييز في القرآن جاء لقداسةٍ ومكانةٍ وخصوصية للمميَّزين عن غيرهم، فنرى أن الرمان من أفضل الفاكهة، وجبريل من أفضل الملائكة، ونوح وعيسى ومحمد من أولي العزم وأفضل الأنبياء، فهل هذا المعنى نفسه ينطبق على الرواية المذكورة أعلاه:
﴿يا محمد، هؤلاء الحجج، والقائم من عترتك﴾؟
أي: ذكر المعصومين – وهم سنخ من نور الله – وميّز القائم عنهم لمكانته، كما ذُكر الأنبياء وميّز أولي العزم عنهم لمكانتهم؟
ثم ينتقل الحديث إلى جزئية أخرى، وهي قوله:
﴿وعزتي وجلالي، له الحجة الواجبة لأوليائي﴾.
كل المعصومين حجج الله في الأرض، وكلهم أولياء الله في الأرض، فهل المهدي له الحجة الواجبة عليهم؟! هل هذا ما تقصده يا رب العالمين؟ أَتُخاطبهم قائلًا: أنتم حججي، والمهدي الحجة الواجبة عليكم؟! ومتى يكون حجة على الجميع؟ وكيف؟ ولماذا؟ هل هو حجة عليهم في عالم الذر؟ أم هو حجة عليهم في عالمه، عندما يرجع جميع الأنبياء والمرسلين والأئمة والصديقين؟ أم هو حجة عليهم في عالم الدنيا؟
وعن أبان بن تغلب قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «الحجة قبل الخلق، ومع الخلق، وبعد الخلق»
(بصائر الدرجات: ص٤٨٧)
فمن هو المهدي؟ وماذا يُقصد بقولك: الحجة الواجبة؟
في الختام، يتّضح لنا من خلال هذه القراءة أن دعوى أفضلية الإمام المهدي (سلام الله عليه) هي دعوى حق، لكنها ليست مبنية على دليل واحد، ولا على استظهارٍ جزئيٍّ مبتور، بل هي ثمرة منظومة متكاملة من النصوص التي تشير بوضوح إلى مقامٍ استثنائيٍّ فريد، يدل على أفضلية الصاحب (سلام الله عليه).
فتميّزه في النور، وتوسّطه بين المعصومين، وانفراده بالحجّة الواجبة، وكونه خاتمة المشروع الإلهي، كلّها شواهد متضافرة تصبّ في اتجاه واحد، وهو أن الإمام المهدي هو قمّة السلسلة المحمدية، وذروة الولاية الإلهية في عالم الإمكان.
ونشير إلى أن ما ذُكر في هذه المقالة ليس إلا نموذجًا من مئات الأدلة الروائية التي تُثبت هذا المقام، وفق الطرح الذي يبينه الشيخ واثق الشمري، والتي سيجري تناولها تباعًا في مقالات لاحقة، إن شاء الله تعالى.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا معرفة حجّته حق المعرفة، والثبات على ولايته، والاستعداد لنصرته.

اللهم صل على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين ولعن أعدائهم أجمعين الى أبد الآبدين