تمهيد
يُطرح دائمًا هذا السؤال، لماذا غاب الإمام المهدي عليه السلام؟ما علة الغيبة؟ وما الفائدة من غيبته؟ وهذه الأسئلة ليست جديدة، بل طُرحت منذ عصر الأئمة عليهم السلام، وقد جاءت الإجابة عنها واضحة في الروايات الشريفة.
علل غيبة الإمام المهدي (عليه السلام)
إن من أهم أسباب الغيبة هي الخوف من التصفية الجسدية، فقد كان بنو العباس ـ لعنهم الله ـ يترصّدون الإمام الثاني عشر ترصّدًا دقيقًا، وكانوا يبحثون عنه بحثًا مكثفًا للقضاء عليه، كما فعلوا مع آبائه عليهم السلام.
فكان حفظ النفس الإلهية سببًا مباشرًا لغيابه عن الأنظار.
جاء في علل الشرائع: عن أبي عبد الله عليه السلام قال، قال رسول الله صلى الله عليه وآله:«لا بدَّ للغلام من غيبة».فقيل: ولمَ يا رسول الله؟قال: «يخاف القتل».
العلة الثانية
غيبة الإمام عليه السلام تقدير إلهي محض، أي أن الله سبحانه وتعالى شاء أن تكون الغيبة جزءًا من المشروع الإلهي، لحِكَمٍ قد نعلم بعضها وقد يُخفى علينا أكثرها.
تشبيه غيبة الإمام بغيبة يوسف (عليه السلام)
(الكافي: ج١ ص٣٣٦)
عن الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام أنّه قال:
(إِنَّ فِي صَاحِبِ هَذَا الأَمْرِ شَبَهاً مِنْ يُوسُفَ عليه السلام)
ثم يبيّن الإمام عليه السلام أن يوسف كان: يعيش بينهم يكلّمهم ويتعامل معهم ومع ذلك لم يعرفه إخوته، حتى عرّفهم بنفسه، الدلالة المهمة: لا تستغربوا أن يكون الإمام المهدي عليه السلام:حاضرًا يمشي في أسواقهم ويطأ بُسُطهم وهم لا يعرفونه، حتى يأذن الله له بالظهور.
ثالثًا: ما الفائدة من غيبة الإمام عليه السلام؟
خرج في التوقيع المبارك عن الإمام عليه السلام:
«وأما وجه الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاع بالشمس إذا غيّبتها السحاب…»
الإمام يخرج ولا بيعة لطاغية في عنقه، الانتفاع به في الغيبة كالشمس وراء السحاب، وجوده أمانٌ لأهل الأرض، الدعاء بتعجيل الفرج هو فرجٌ للمؤمنين، كما أن الأرض لا يمكن أن تعيش بلا شمس، كذلك لا يمكن أن تبقى الأرض بلا حجة،ولولا الإمام لساخت الأرض بأهلها.
لماذا لا يكفي العلماء وحدهم؟
هناك أمرٌ لا بدّ من الالتفات إليه بدقّة: الناس لا تحتاج إلى علماء فقط،
بل تحتاج إلى نبيّ… أو إلى من يمثّل النبي في قوّة إصلاحه.
لماذا؟لأن الفساد في الأرض: متشعّب، متجذّر، متكاثر إلى حدٍّ مخيف
نحن نعيش في زمن:يَصير فيه الأحمق عالمًا، ويُقدَّم الجاهل على أنه مرجع
ويُنشر الفساد باسم العلم والدين وهذا أخطر أنواع الفساد،لأن الفساد إذا لبس لباس العلم صار مضاعفًا، فالفساد ليس فرعًا واحدًا،بل هو ألف فرع
فالسؤال الجوهري:
كيف يستطيع العالم وحده أن ينتصر؟وهل قوته تكفي كقوة نبي أو وصي نبي؟
قد يقول قائل:نحن نحتاج إلى العالم ليرشدنا إلى الصواب، نقول: نعم، هذا صحيح…لكن هذا أقلّ الممكنات، لا تمام المشروع.لأن المجتمع ـ كمجتمع ـ لا يُصلَح:بالفتوى وحدها، ولا بالوعظ وحده، ولا بتكاثر العلماء فقط
المجتمع يحتاج إلى: خليفة لله في الأرض، من أولي العزم، مؤيَّد بقوة من السماء له سلطان الإصلاح لا مجرد النصيحة، وإلا: لو ظهر ألف عالم،فلن يستطيعوا إصلاح مجتمع دبّ فيه الفساد في كل زمان ومكان.
لماذا يظهر الإمام في آخر الزمان؟
لهذا جاءت الروايات ـ من السنة والشيعة ـ متفقة على أن: الإمام لا يظهر إلا في العمر الأخير من الدنيا. لماذا؟ لأن مهمته ليست ترقيع الواقع
ولا تقليل الفساد بل مهمته: إنهاء المرحلة الأخيرة من عمر الدنيا بعدالة شاملة، السنّة الإلهية الكبرى، الله عز وجل: بدأ الدنيا بعدالة، وسينهيها بعدالة وهذا: حقٌّ على الله عز وجل، كما وعد في كتابه وعلى لسان أنبيائه وأوليائه، ولهذا كثرت الروايات:بظهور المهدي وبالرجعة، وبامتلاء الأرض قسطًا وعدلًا بعد أن مُلئت ظلمًا وجورًا.
