«تفجير محلات المساج في بغداد»

ديسمبر 26, 2025

المقدمة

اطلعتُ على الكثير من وسائل الإعلام، ورأيتُ أن هناك هجماتٍ متصاعدةً حول محلات المساج في العراق، وتشير أصابعُ الاتهام إلى المجاميع الإسلامية «الشيعية والسنية» كما يُسمّون، وبعضُ المحللين ـ كما سمعت ـ يشيرون أصابع الاتهام إلى أن من قام بذلك هم فصائل شيعية.

[حكم الحمامات العامة والمساج]

أريد أن أبيّن حكمَ الذهاب إلى محلات المساج، والحكم فيها أن الأصل في هذه المسألة أنه لا إشكالَ شرعياً في ذلك، ولا حرمةَ فيه أبداً؛ كأن شخصاً يذهب إلى «حمّامات السوق» ويأتي شخصٌ يُسمّى «المدلّكچي» فيدلّك له، فالأصل هو الجواز، وإنما تأتي الحرمةُ عرضاً، والعَرَض الذي يطرأ على المسألة ويحوّلها من الجواز إلى الحرمة هو:
أولاً: عدمُ ستر العورة.
وثانياً: وجودُ جنسٍ مخالف لجنس الشخص الذي يطلب المساج.
فلو ستر الرجلُ عورتَه، وأتى رجلٌ آخر وعمل له المساج فلا حرمةَ في ذلك، والعكس أيضاً ـ أعني المرأةَ للمرأة مع ستر العورة ـ ويجوز أن يُدلّك الرجلُ للمرأة أو المرأةُ للرجل إذا كان بينهما عقدٌ شرعي، كأن تكون زوجتَه، فيجوز لهما ذلك، وبخلافه تكون الحرمةُ ـ طبعاً ـ عَرَضية كما ذكرنا.
في العراق صارت تلك المحلات المساج كثيرة، وغالبُ من يدخلوها هم من المسلمين ـ المستضعفين ـ وتداول كثيراً أن محلات المساج تحوّلت إلى أماكن دعارة ـ أجلكم الله ـ فما وظيفتكم أنتم [كعراقيين عموماً، وكمسلمين خصوصاً] تجاه هذه الظاهرة؟
الجواب: أولاً نحن لسنا بلداً إسلامياً ـ كقانون ـ ولم ندّعِ ذلك، ولا يحكمه حاكمٌ شرعي يطبّق الإسلام بحذافيره. وإذا كان البلدُ بهذا الحال، فوظيفةُ الفرد المسلم أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهذا لا يكون بهذه الطريقة أبداً. واللهِ يا إخوتي إنكم بهذا تكونون سبباً من أسباب الإلحاد والكفر وترك الدين وكلّ القيم السماوية، فما هكذا تُورَد الإبل! إن الجهلَ المتفشّي في العراق أصبح غريباً من نوعه! أما تستحون؟! محلاتُ مساج موجودة، فاتركوا الناس وشأنهم. حرامٌ ما تفعلونه، نحن نتبع شريعةَ الله عز وجل، ولم أسمع يوماً أن الأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المنكر يكون بهذه الطريقة! وقد بيّنا الحكم وقلنا إن الأصل الجواز والحرمة عَرَضية، فإذا كانت القضيةُ دعارةً ولا أخلاقية، فالحكم أنها حرام ومخالفة للأعراف ولتقاليد العراقيين، فهل الحلّ أن تأتي وتفجّر المحل؟!!
أنت الآن إذا أردتَ القضاءَ على كل الفساد فعليك أن تقضي على 80% من العالم كلّه! وهذا لا يجوز شرعاً. فالأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر له شروطٌ معيّنة، وإذا أدّت هذه الشروط إلى مفسدةٍ أكبر فلا يجب عليك، ولذلك ورد في الخبر: أضعف الإيمان هو القلب

[طريقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]

إصلاحُ الناس يكون بالكلمة الطيبة، وبالأدلة والأخلاق، لكنكم بهذه الطريقة جعلتم الناس يحقدون على الدين أكثر ويكرهونه أكثر. وإذا كانوا يريدون القضاء على محلات المساج، فعليهم أن يقضوا أيضاً على محلات الخمور والملاهي والنوادي! لا أعرف من أفتى بهذه الفتوى ـ تفجير محلات المساج ومن أين أتى بها؟! ولنفترض ان هذه محلات المساج هي محلات دعارة، فما هو الحكم الشرعي المكلف به المسلم تجاه هذا ؟؟ هل يقتلهم ؟!!

الجواب على ذلك: لا أبداً، فهناك دولة مسؤولة عن مكافحتها او جوازها، فهذا الشخص ـ صاحبُ العمل ـ إذا قُتل تُقطع عليه طريقُ التوبة. أنت عندما تقتله، من قال لك إنه لن يتوب في المستقبل؟! لماذا تقطع عليه التوبةَ إلى الله عز وجل؟! نعم، اشرحوا للناس، وألقوا محاضرات، وعلّموا وبيّنوا وانصحوا، لكن لا تقتلوه. وكلّ من تسبّب بذلك وكان سبباً فيه، وكلّ من فعل ذلك ـ أيّاً كان ومن أيّ فرقة ـ فإنه يتحمّل ذنبَه أمام الله عز وجل، وما قاموا به حرامٌ شرعاً.

[التمرّد على طاعة المعصوم]

تبقى مسألةٌ أخرى: من الذي خوّلك بتطبيق حكم الله عز وجل في الشارع؟! وإذا قال شخصٌ: أنا مكلّف بتطبيق حكم الله، فلماذا ليس غيرُه هو المكلّف؟! وغيرُه يقول كذلك، وكلّ واحدٍ يختار طريقاً لتطبيق حكم الله، وبهذه الطريقة تعمّ الفوضى.
لذلك أمرنا الله عز وجل بالرجوع إلى المعصوم (عليه السلام)، وليس من حق أيّ شخص أن يتسلّط على رقاب الناس.
وكلُّ مَن فعلَ هذا فقد أفسدَ بالدين، وهو مُفسِدٌ في الأرض، ومخالفٌ لأحكامِ الله تبارك وتعالى، وبهذه الطريقة تعمُّ الفوضى!! ودينُ الله عزّ وجلّ ليس بهذه الطريقة، وإذا تقولون إنَّ شخصاً أفتى لكم بهذا لإصلاح الناس، فهذا المفتي هو الذي يحتاج إلى مَن يُصلحه، فهو مُفسِدٌ في الأرض أيضاً!!!
إذ لا توجد لأيّ إنسانٍ سلطةٌ على إنسانٍ آخر ـ غيرِ المعصوم ـ أبداً، واتركوا الناسَ في شأنهم.

[أحكامُ القصاص]

فَرَضاً شخصٌ زنى أو شرب خمراً، فأتيتَ أنتَ وأعدمتَ حياتَه، فمَن قال لك إنّ هذا الشخص لن يتوب؟! لماذا تقطع عليه فرصةَ التوبة؟! هل هذا حرامٌ أم ليس بحرام؟! وقد يكون في علمِ الله عزّ وجلّ أنّه سيتوب، فماذا تقولون لله تعالى، وماذا تقولون لأصحاب هذه المحلات؟! وهناك مئاتُ المصاديق التي تُجبِر الإنسانَ على أن لا يقوم بهذا الفعل!!
فمَن يريد أن يعبد فليعبد، ومَن يريد أن يكون فاسقاً فليكن فاسقاً، ونحن في ظرفٍ ووقتٍ نريد فيه تثبيتَ الناس على الدين، فما هكذا تُورَدُ الإبل!! هؤلاء أصحابُ المحلات سيحقدون على الدين والمجتمع.

[الالتزامُ بالقوانين أساسُ الدولة الثابت]

وبالمناسبة، كثرةُ الفساد في العراق، والإفلاس، والجفاف، وقلّة تساقط الأمطار، ومسؤولون فاسدون، ودولةٌ منهارة، في هذا الحال يكثر التساؤل: لماذا فقط في العراق؟
وجوابُه: إنّ هذا بسبب أكلِ الحرام! لأُبيّن لكم قضيةً: الآن الموظف، هل تتوقّع أن يكون راتبُه حلالاً مئةً بالمئة؟! لا أبداً، بل جزءٌ كبيرٌ من راتبه حرام. وكيف ذلك؟
الجواب: إذا كان مكلَّفاً بالدوام من السابعة أو الثامنة صباحاً إلى الثالثة ظهراً، فهذا يجب أن لا يسرق دقيقةً واحدة من الشعب؛ لأنّ هذا الوقتَ للشعب، ويتقاضى أجراً في المقابل، فيَحرُم عليه أن يسرق من وقت الناس.

وهذا الشخص كم يتكلّم في الهاتف؟ وكم يأكل؟ ـ عدا الوقت المخصَّص له، مثلاً للأكل والصلاة ـ غيرُ هذا فليس من حقّه أن يفعل غيرَ ما كُلِّف به. «الغرب الكافر» ـ كما يسمّونه ـ يطبّق هذه الأحكام ألفَ مرّةٍ أفضلَ منّا نحن المسلمين في البلدان المدّعية للإسلام؛ عندهم وقتٌ محدّد، ولا يتركون دقيقةً واحدة، ويرتاحون فقط في وقتِ الراحة المخصَّص لهم.

فنحن نسأل أنفسَنا: كم بالمئة من الموظفين والبرلمانيين والحكّام ورئيس الوزراء يقول: دوامي يبدأ في الساعة الثامنة صباحاً إلى الثالثة ظهراً، فكم يُعطي من وقته بالدقائق؟!
الناس تتكلّم على الدين سلباً، ولا يوجد أعظمُ من الدين! الناس شوهوا الدين، وهم الذين جعلوا الناس تكفر بالدين! فالدين مظلوم، وأكبرُ ضحيةٍ من ضحايا الناس هو الدين، والحمدُ لله أنّ بقي القليل منه عند الناس.

[قداسةُ العمل وحِلّيةُ الأجر]

سؤالٌ لتوضيح الكلام أكثر: أيّهما أفرض، أن يعملَ الشخص عملاً كاملاً من الساعة الثامنة صباحاً إلى آخر وقت العمل، فيخدم الناس، ويسهّل أمورهم، ويقضي حوائجهم، ويكمّل معاملاتهم، أم يذهب لزيارة أحد الأئمة (عليهم السلام)؟

الجواب: إخوتي، حتى الإمام (صلوات الله عليه) يغضّ الطرف عن الزائر الذي يترك الزيارة لوظيفته التي يتقاضى منها أموالاً، فلا يصحّ أن يترك الناس في الطوابير لأجل المعاملات، فهذا ليس ديناً.
الدين هو أن تقول: عندي وظيفة أتقاضى منها مالاً، تبدأ بالثامنة، فأنا لا أسرق دقيقةً واحدة من الشعب. فَرَضاً لو كان الراتب مئةَ ألف دينار عراقي، وأنت سرقت عشر دقائق، فتُقسَّم هذه الدقائق على الراتب، فيكون هذا المقدار حراماً!
فإذا كان الأمر كذلك، فكم بيتاً دخل فيه الحرام؟! ولو طبّقتم الدين بالطريقة الصحيحة لعرفتم كيف يكون حالكم؛ لمنَّ الله عليكم بأعظم رحماته، ولعشتم حياةً كريمة، معزَّزين مكرَّمين، في رخاءٍ وسعادةٍ أبدية في الدنيا والآخرة.

[الرشوة وخطورتُها على المجتمع]

كثيراً ما نرى أن يأتي الموظف فيساوم الناس ليأخذ الرشوة، هؤلاء يدمّرون الدولة من الداخل، ويعرقلون سير الأمور كما يجب أن تسير، وهم أشدّ فتكاً وتدميراً وخطراً على العراق من داعش.
سببٌ من أسباب سقوط الدولة هو الرشوة، فهي كارثةٌ على البلد، هذه الحالة كثرت في العراق، وكانت نتيجتُها حالَ البلاد اليوم.

الخلاصة: إنّ ما جرى من تفجيرٍ وإحراقٍ لـ«محلات المساج» محرَّمٌ ولا يجوز شرعاً، وستكون نتائجه على الإسلام وخيمةً جداً. وإذا كانوا يكرهون الدين بنسبة 10% فستصبح 20% بسبب هذه التصرفات، فاتركوا الناس في حالهم، فأنتم لستم حكومةً إسلامية، واحذروا الرشوة والمشاركة فيها، ويجب على كلّ مسلم أن يكون حريصاً على أن لا يُقصّر في عمله إن كان يريد الرزقَ الحلال.

اترك تعليقاً