أثار أمير القريشي جدلاً عقائدياً في مجلس ديني نُشر عبر منصات التواصل الاجتماعي، إثر سؤال أحد الحاضرين له، هل الصفات الذاتية مختصة بالله عز وجل ولا تعطى لأهل البيت؟ فقال مجيباً: “لا يوجد هكذا كلام، الإمام إلهيُّ الصفات فكل شيء لله اعطاه الله للإمام“.
-تساؤلات تتهاوى أمامها المتناقضات
يفتح هذا الطرح باباً واسعاً من التساؤلات المنهجية والعقائدية التي تكشف حجم التناقض والاضطراب في تفسيره:
– كيف لصفة إلهية ذاتية أن تُمنح أو تُسبغ لمخلوق حادث؟ أليست الصفة الذاتية عين الذات المقدسة التي لا تقبل التجزيء ولا الانفصال؟ فما الفارق بين الرب والمربوب إذا كان كلاهما عندهما ذات صفة القدرة، وذات صفة العلم وغيرهما؟!
– إذا كان الإمام يُمارس هذه الصفات بذاته، فأين يقع موقع العبودية المطلقة والافتقار الصريح لله تعالى؟ فالإمام بهذا اللحاظ أصبح هو عين ذات الله مع أنه محدث! بل ما الفرق بين هذه العقيدة وبين النصارى الذين وصفهم الله بأنهم جعلوا لله شريكاً وجعلوه ثالث ثلاثة؟
– كيف يُوفق مدّعو هذا الطرح بين مقولتهم وبين ما ثبت قطعاً عن آل محمد (عليهم السلام) في التبرؤ من كل صور الشرك والغلو؟ آل محمد عليهم السلام محدودون مخلوقون، فهل صفات الله محدودة بحدود المخلوقات؟ وبهذا يكون الله محدوداً بذاته!
إن طرح مثل هذه الادعاءات دون فهم للعمق الروائي يوقع صاحبها في تناقضات جليّة؛ إذ يخلط بين مقام العبودية والمخلوقية وبين مقام الربوبية والإلوهية.
-استحالة اشتراك المخلوق مع الخالق في الصفات
ينقسم علم الصفات الإلهية في الدين إلى قسمين رئيسيين: الصفات الذاتية وهي عين ذات الله جل وعلا كالعلم والقدرة واستحالة انفصالها عنه، والصفات الفعلية وهي الصفات المحدثة المترتبة على أفعال الله تعالى كالخلق والرزق.
ولا يمكن لأي مخلوق — مهما علت مرتبته وكبر شأنه — أن يشارك الخالق في صفة ذاتية أو فعلية على سبيل الاستقلال أو التماثل أو حتى أن تكون فيه لأي وجه؛ استناداً إلى المحكم من كتاب الله: ﴿لَيس كمثلهِ شَيْءٌ وَهُوَ السمِيع الْبَصِير﴾¹
ومن ذلك ما ورد في تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) من أن مشيئة الله عز وجل هي القاهرة الفاعلة فوق مشيئة محمد وآل محمد وسائر الخلائق، والمشيئة أصل الصفات الفعلية.
المفهوم الصحيح لـ “إلهية الصفات” لدى أهل البيت (عليهم السلام)
إن الوصف الدقيق والمقبول لكون النبي والأئمة مظهرًا للصفات الإلهية، أو كونهم مشيئة الله ووجهه، لا يعني بحال من الأحوال حيازتهم لصفات الله أو ممارستهم لها بذواتهم أو اتحادهم بذات الله؛ فهذا خلط وتخرّص يؤدي إلى الكفر الصريح.
إنما المعنى الصحيح أنهم المعاني والمظاهر الجليّة لهذه الصفات في الخلق؛ فهم أكمل من يعكس قدرة الله ورحمته وعدله للناس. فبينما يرى الإنسان قدرة الله محددة في سائر المخلوقات، يراها في أفعال الأئمة ومعجزاتهم بأبهى صورها وأعظم مقاييسها فهم إلهيي الصفات بتثميلهم لصفات الله وإظهارهم لها لا أنهم يحوزون صفاته جل وعلا!.
وتظل هذه القدرة الحاضرة فيهم قدرة مخلوقة ومستمدة، خاضعة خضوعاً مطلقاً لقدرة الله عز وجل، ودليلاً يستدل به العباد على عظمة رب العالمين لا شريكاً له في صفاته.
في الختام
إن المتأمل في هذه الظواهر يدرك أنه ليس كل من تصدر منصات التواصل الاجتماعي أو حصد قاعدة جماهيرية أهلاً لأن يكون فقيهاً بأحاديثهم (عليهم السلام)، ولا سيما في المواضيع المعقدة والحساسة المتعلقة بذات الله جل وعلا فأقل فهم خاطئ يؤدي بالشرك بالله!
وبهذا القريشي يبطل ادعاءه أنه مُجدد، وأنه عرف حقيقة آل محمد، فهو يكفر بجهله في تفسير ذات الله! فأي مُجدد لا يفقه بالأحاديث شيئاً ويُسقط بعضها البعض؟ بل وأي فقيه يكون مصداقاً لقول رسول الله إن أمتنا ستتخذ مسار الأمم السابقة! فالقريشي “المجدد” أصبح مصادقاً لانحراف الأمة وشركها كانحراف النصارى وشركهم إذ لا فارق.
المصادر
1_ [الشورى: 11].
