بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين اللهم صل على محمد وآله الطيبين الطاهرين
قال الصادق من الطاهرين عليه صلوات رب العالمين لتلميذه المفضل خير المخلصين سلام الله عليهم أجمعين:
(توحيد المفضل – ص٧٥)
« فكر يا مفضل في الأفعال جعلت في الإنسان من الطعم والنوم والجماع وما دبر فيها… فإنه جعل لكل واحد منها في الطباع نفسه محرك يقتضيه ويستحث به، فالجوع يقتضي الطعم الذي فيه راحه البدن وقوامه والكرى يقتضي النوم الذي فيه راحة البدن واجمام قواه، والشبق يقتضي الجماع الذي فيه دوام النسل وبقاؤه.. ولو كان الإنسان إنما يصير إلى أكل الطعام، لمعرفته بحاجة بدنه إليه، ولم يجد من طباعه شيئا يضطره إلى ذلك، كان خليقا أن يتوانى عنه أحيانا بالثقل والكسل، حتى ينحل؟؟ بدنه فيهلك، كما يحتاج الواحد الدواء لشئ مما يصلح به بدنه فيدافع به حتى يؤديه ذلك إلى المرض والموت، وكذلك لو كان إنما يصير إلى النوم بالفكر في حاجته إلى راحه البدن واجمام قواه كان عسى أن يتثاقل عن ذلك، فيدفعه ينهك بدنه. ولو كان إنما يتحرك للجماع بالرغبة في الولد كان غير بعيد أن يفتر عنه، حتى يقل النسل أو ينقطع فإن من الناس من لا يرغب في الولد، ولا يحفل به.فانظر كيف جعل لكل واحد من هذه الأفعال التي بها قوام الإنسان وصلاحه، محركا من نفس الطبع يحركه لذلك، ويحدوه عليه.
واعلم أن في الإنسان قوى أربعا قوة جاذبة تقبل الغذاء وتورده على المعدة. وقوة ماسكة تحبس الطعام، حتى تفعل فيه الطبيعة فعلها، وقوة هاضمة، وهي التي تطبخه، وتستخرج صفوه، وتبثه في البدن، وقوة دافعة تدفعه وتحدر الثفل الفاضل، بعد أخذ الهاضمة حاجتها.. ففكر في تقدير هذه القوى الأربع التي في البدن وأفعالها وتقديرها للحاجة إليها والأرب فيها، وما في ذلك من التدبير والحكمة، فلولا الجاذبة كيف كان يتحرك الإنسان لطلب الغذاء الذي به قوام البدن؟ ولولا الماسكة كيف كان يلبث الطعام في الجوف تهضمه المعدة؟ ولولا الهاضمة كيف كان ينطبخ حتى يخلص منه الصفو الذي يغذو البدن ويسد خلله ولولا الدافعة كيف كان الثفل الذي تخلفه الهاضمة يندفع ويخرج أولا فأولا؟ أفلا ترى كيف وكل الله سبحانه – بلطف صنعه وحسن تقديره – هذه القوى بالبدن، والقيام بما فيه صلاحه… وسأمثل لك في ذلك مثالا: إن البدن بمنزلة دار الملك، له فيها حشم وصبية وقوام موكلون بالدار، فواحد لقضاء حوائج الحشم وإيرادها عليهم، وآخر لقبض ما يرد وخزنه، إلى أن يعالج ويهيأ، وآخر لعلاج ذلك وتهيئته وتفريقه، وآخر لتنظيف ما في الدار من الأقذار وإخراجه منها، فالملك في هذا هو الخلاق الحكيم ملك العالمين، والدار هي البدن، والحشم هم الأعضاء، والقوام هم هذه القوى الأربع. ولعلك ترى ذكرنا هذه القوى الأربع وأفعالها – بعد الذي وصفت – فضلا وتزدادا وليس ما ذكرته من هذه القوى على الجهة التي ذكرت في كتب الأطباء ولا قولنا فيه كقولهم، لأنهم ذكروها على ما يحتاج في صناعة الطب وتصحيح الأبدان، وذكرناها على ما يحتاج في صلاح الدين وشفاء النفوس من الغي كالذي أوضحته بالوصف الشافي والمثل المضروب من التدبير والحكمة فيها»
-الكرى: النعاس
-الشبق: الشهوة الجنسية الشديدة
-يتوانى: يتأخر
خلق الله الإنسان بغرائز متعددة، ولكل غريزة دافعٌ مستقِلٌ يجبر الإنسان على تلبية حاجته في وقتها المناسب، لا اختيارًا بل اضطرارًا رحمةً به، ولو تُرك الإنسان للاختيار وحده لتكاسل عن حاجاته حتى يهلك جسده
وتناسق قوى الجسد وتسلسلها الدقيق دليل على أن الخلق لم يكن عبثاً، بل بتقدير وحكمة محكمة، والجسد ليس ملك للإنسان بل أمانة إلهية، وعليه حفظه لا إفساده
هذا البيان ليس طبًا جسديًا، بل دواءً عقديا يهدم الشك ويثبت حكمة الخالق، ويكشف أن كل شهوة في موضعها نعمة لا نقص
هذا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
