بسم اللّٰه الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين.
من أحاديث الإمام الصادق (صلوات الله عليه) لتلميذه المفضل بن عمر (رضوان الله تعالى عليه): «وعلى حسب هذا أيضًا نقول: إن العقل يعرف الخالق من جهة توجب عليه الإقرار، ولا يعرفه بما يوجب له الإحاطة بصفته. فإن قالوا: فكيف يكلف العبد الضعيف معرفته بالعقل اللطيف ولا يحيط به؟ قيل لهم: إنما كلف العباد من ذلك ما في طاقتهم أن يبلغوه، وهو أن يوقنوا به ويقفوا عند أمره ونهيه، ولم يكلفوا الإحاطة بصفته، كما أن الملك لا يكلف رعيته أن يعلموا أطويل هو أم قصير، وأبيض هو أم أسمر، وإنما يكلفهم الإذعان لسلطانه والانتهاء إلى أمره. ألا ترى أن رجلًا لو أتى باب الملك فقال: أعرض علي نفسك حتى أتقصى معرفتك، وإلا لم أسمع لك، كان قد أحل نفسه بالعقوبة، فكذلك القائل إنه لا يقر بالخالق سبحانه حتى يحيط بكنهه متعرضًا لسخطه. فإن قالوا: أو ليس قد نصفه فنقول: هو العزيز الحكيم الجواد الكريم؟ قيل لهم: كل هذه صفات إقرار وليست صفات إحاطة، فإنا نعلم أنه حكيم ولا نعلم بكنه ذلك منه، وكذلك قدير وجواد وسائر صفاته، كما قد نرى السماء فلا ندري ما جوهرها، ونرى البحر ولا ندري أين منتهاه، بل فوق هذا المثال بما لا نهاية له، ولأن الأمثال كلها تقصر عنه ولكنها تقود العقل إلى معرفته. فإن قالوا: ولم يختلف فيه؟ قيل لهم: لقصر الأوهام عن مدى عظمته، وتعديها أقدارها في طلب معرفته، وأنها تروم الإحاطة به وهي تعجز عن ذلك وما دونه.»
(توحيد المفضل بن عمر – ص 215 – 216)
يُبيّن الإمام الصادق (عليه السلام) أن معرفة العقل للخالق سبحانه وتعالى إنما هي معرفة إقرار ويقين، لا معرفة إحاطة بكنه ذاته وصفاته، فالإنسان مكلّف بما يستطيع أن يبلغه من المعرفة، وهو أن يدرك وجود خالقه، ويوقن بحكمته وقدرته، ويذعن لأمره ونهيه، أما الإحاطة بحقيقة ذاته فليست من شأن العقل المحدود. فكما أن الإنسان قد يدرك آثار الشيء ودلالاته دون أن يحيط بحقيقته، فإن عظمة الخالق أجل من أن تحيط بها الأوهام أو تحدها العقول. ومن هنا فإن وصف الله تعالى بالعزيز والحكيم والقدير والجواد هو وصف إقرار بما دلّت عليه آثاره، لا دعوى إحاطة بكنه صفاته، بل إن كل ما في الوجود من أمثال ودلائل إنما يقود العقل إلى معرفته دون أن يبلغ غاية الإحاطة به. وبهذا تتجلى منزلة العقل الصحيحة، فهو لا يقف عاجزًا عن معرفة الخالق، ولا يتجاوز حدّه فيدعي الإحاطة به، وإنما يسلّك طريق الإعتراف بعظمته من خلال آياته وآثار قدرته وحكمته، فيكون قصور العقل عن الإحاطة به شاهدًا على عظمة من لا تحدّه الأوهام ولا تحيط به العقول.
هذا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
