بسمِ الله الرحمن الرحيم، الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على محمدٍ وآلِ محمدٍ.
من روائعِ الإمامِ الصادقِ (عليه السلام) لتلميذِه المفضّل في التوحيد قال:
قد أنبأتُكَ بما في الأعضاءِ من الغِناءِ في صَنعةِ الكلامِ وإقامةِ الحروف، وفيها معَ الذي ذكرتُ لك مآربُ أُخرى، فالحنجرةُ ليسلُكَ فيها هذا النسيمُ إلى الرئةِ فتَروحَ على الفؤادِ بالنَّفَسِ الدائم المتتابع الذي لو حُبِسَ شيئًا يسيرًا لَهلك الإنسانُ.
وباللسانِ تُذاقُ الطعومُ فيُميَّزُ بينها ويُعرَفُ كلٌّ منها، حُلوُها من مُرِّها، وحامِضُها من عذبِها، ومالحُها من عذبِها، وطيبُها من خبيثِها، وفيه مع ذلك معونةٌ على إساغةِ الطعامِ والشراب.
والأسنانُ لمضغِ الطعامِ حتى يلينَ وتسهلَ إساغتُه، وهي مع ذلك كالسندِ للشفتين، تَمسِكُهما وتدعمهما من داخلِ الفم، واعتبر ذلك، فإنك ترى مَن سقطت أسنانُهُ مسترخيةً شفتُهُ مضطربةً.
وبالشفتينِ يترشّفُ الشرابُ حتى يكونَ الذي يصلُ إلى الجوفِ منه بقصدٍ وقدرٍ لا يثجُّ ثجًّا فيغصَّ به الشاربُ أو يَنكأَ في الجوف، ثم هما بعد ذلك كالبابِ المُطبَقِ على الفم، يفتحُه الإنسانُ إذا شاء ويُطبِقُه إذا شاء.
وفيما وصفنا من هذا بيانٌ أن كلّ واحدٍ من هذه الأعضاءِ يتصرّفُ وينقسمُ إلى وجوهٍ من المنافع، كما تتصرّفُ الأداةُ الواحدةُ في أعمالٍ شتى، وذلك كالفأسِ تُستعمَلُ في النِّجارةِ والحفرِ وغيرِهما من الأعمال.
التوحيد للمفضل (الجزء ١، الصفحة ٦٣).
يوضِّح الإمامُ (عليه السلام) أن أعضاءَ النطقِ ليست مخصَّصةً للكلام فقط، بل خُلِقَت لمنافعَ متعدّدة؛ فالحنجرةُ ممرُّ النفس، والذي به تحفظُ الحياة، واللسانُ للتذوّقِ وتمييزِ الطعومِ ومعونةِ البلع، والأسنانُ لمضغِ الطعامِ ودعمِ الشفتين، والشفتانِ لضبطِ الشربِ وإغلاقِ الفم، والمقصدُ بيانُ أن العضو الواحدَ يؤدي وظائفَ عديدة، كما تُستعمَلُ الأداةُ الواحدةُ في أعمالٍ مختلفة.
هذا وآخرُ دعوانا أنَّ الحمدَ لله ربِّ العالمين.