ورد في الخبر أنه قال: «يا حفص، يُغفر للجاهل سبعون ذنباً قبل أن يُغفر للعالم ذنبٌ واحدٌ».
بمعنى أنك لا تتصور أن منزلة العالم، ومكانة العالم، وقداسة العالم، وتقديس العالم، كأنه نبي زمانه، وتقدم الكلام في ذلك كثيراً، وأقوله تكراراً ومراراً: ما لم تسمع الدرس الذي قبل الدرس الذي أقوله لن تستوعب كامل المطلب، أو لا تستطيع فهم كامل المطلب. هذه المنزلة والعالم الذي هو نبي زمانه، أيضاً هناك عليه من الشدة والحساب ما لا يلقاه جاهل؛ بمعنى أنك تتصور أن الله يغفر للجاهل سبعين ذنباً قبل أن يغفر للعالم ذنباً واحداً، والسبب في ذلك أن العالم يفقه ويعلم، وذاك فعل المعصية بجهالة، والعالم هنا فعلها وهو عالم بفعله وعالم بالحكم، نستجير بالله من غضب الله. تأملْ رعاك الله؛ شخصٌ يغفر الله له سبعين ذنباً، وعالمٌ لم يُغفر له بعدُ ذنبٌ واحدٌ! هذا التشديد يريد أن يلقي؛ لأن العالم يلقي الحجة على نفسه، أي لا تتصور أنت الآن كأحد من يدرس الفقاهة، لا تتصور أنك بمجرد تفقهك؛ في كل يوم تتعلم فيه، في كل يوم تلزم نفسك الحجة على نفسك بأنه كيف يمكن؟ كلما تعلمت، كلما قيدت عليك حركة المعصية باعتبارك عالماً بما تفعله. فكما هو مقام العلم كأنه نبي الزمان، هو أيضاً في المقابل يُشدد عليه بمقدار النعمة التي منَّ بها الله عليه إن لم يلتزم بها، بل إن هناك ما هو أشد من ذلك.
عن أبي عبد الله (عليه السلام) يقول: «إذا بلغت النفس هاهنا -وأشار بيده إلى حلقه- لم يكن للعالم توبة، ثم قرأ: {إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة}».
فمسألة طلب العلم، نعم، أنت مقدم على الناس، وتُحشر مع الصالحين والأنبياء، ولك مقام عظيم جليل عند الله في تنويرك للبشرية وإصلاحك للناس، هذا واضح؛ ولكن في نفس الوقت، هذا العالم يُحاسب أشد الحساب، وعن الناس يختلف؛ لذلك تراه يقول: {فكبكبوا فيها هم والغاوون}، قال: هم قوم وصفوا عدلاً بألسنتهم ثم خالفوه إلى غيره؛ لأن العالم هو الذي -انظر، أمير المؤمنين هو الذي ينطق بالحكمة- عالم بالحكمة، عالم بالفقاهة.
أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: «روحوا أنفسكم ببديع الحكمة، فإنها تكل كما تكل الأبدان».
كيف تتحصل أنت على بديع الحكمة؟ تذهب إلى العالم، إلى الفقيه، هو الذي يعلمك بديع الحكمة، وهو الذي يفقهك في بديع الحكمة، وهو الذي له مقام عظيم جليل عند الله، وهو الذي يحاسبه الله على معصيته أشد الحساب لأنه عالم.
عن أبي بصير يقول، كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: «يا طالب العلم، إن العلم ذو فضائل كثيرة، فرأسه التواضع».
يا أخي، تواضع؛ إذا لم تتواضع يذلَّك الله. فعدم التواضع عبارة عن صك -كما يُقال- عبارة عن نية، أي عبارة عن ضمان -غابت عن ذهني الكلمة- عبارة عن ضمان في الإذلال، ولكنه مع المؤمنين، مع المؤمنين. أكرر دائماً وأدرب أتباعنا ومحبينا ممن هم على منهجنا، أقول لهم: إني كطفلٍ مع المؤمنين، طفل في تواضعي، وإني أعمل جاهداً لخدمتهم، ومع المخالفين والعاصين والمنحرفين متجبرٌ وعنيفٌ، ولو كان رئيساً أو حاكماً أو قاضياً؛ لأن الإيمان في قلب ذلك المؤمن يجبرني على أن أكون كطفل بين يديه، والإيمان الذي في قلبي يجبرني على أن أرى الحاكم أو الرئيس أو القاضي نملة بانحرافه وبقوة إيمانه. التواضع؛ فلا يقعنَّ منكم كبرٌ، فقد تظن اليوم في نفسك التواضع، وقد تصل غداً إلى مقامات من الفقاهة والعلم وتكتشف حقيقة جهل الناس، وترى وتقول: ما هذا الجهل؟ شتّان ما بيني وبين هؤلاء الناس! وهنا تنبني ثمرة الكبر على الناس. أنت تفقهت لإصلاح الناس، وتحقيق هدف الله عز وجل، وتحديد مسيرة الناس إلى الله، وتقوية قلوبهم، لا تفقهت كي تتكبر عليهم. من يرحمه الله، من يريد الله به الرحمة، يذله لحكم يحكمه الله بها ثم يفك عنه ذلك الإذلال كعقاب. إياكم والتكبر على الناس، فإن الله لا يحب المتكبرين. طلب العلم؛ لأنك بطلبك العلم ونشر العلم، كيف يتم نشر العلم وأنت لست متواضعاً مع من تعطيهم العلم؟ نحن في شهر مقدس وفي وقت الفجر، والله العظيم ما أقوله حقاً؛ جاءني شاب في الماضي -لا يحضرني اسمه- منذ مدة قبل تقريباً عشر سنوات، أو نحو تسع سنوات، جلس بجانبي يشتكي، قال: كنا في حسينية وجاءنا وكيل السيستاني أو أحد المراجع -ما أتذكر- وبدأ يشكو لي كبره، والله على ما أقوله شهيد، قال:
شيخنا أنا حين أتحدث معكم كم أشعر بارتياح، وأحس أنكم أصدقائي وقريبون مني، يشكو من تكبره وتجبره؛ فعلامَ ذلك؟ علامَ ذلك؟ لعنة الله عليه لأنه فارغ. ملأى السنابلِ تنحني تواضعاً، والفارغاتُ رؤوسُهن شوامخُ. فرأس الحكمة، أمير المؤمنين يقول: روحوا أنفسكم ببديع الحكمة، فمن أين تأخذ الحكمة؟ وإلى أين تذهب؟ تذهب إلى العالم، والعالم من أولى خطوات طلب العلم ورأسها أن يكون متواضعاً، لا يشعر المقابل قيد أنملة أنه أفضل منه. كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: «يا طالب العلم، إن العلم ذو فضائل كثيرة؛ فرأسه التواضع، وعينه البراءة من الحسد، وأذنه الفهم».
«ولسانه الصدق، وحفظه الفحص، وقلبه حسن النية، وعقله معرفة الأشياء».
(تكملة للحديث).
انظر إلى هذه القداسة؛ وغايتي أن أحارب الكذب، نستجير بالله. واللهِ انظر، أنا أريد أن أضحي بحياتي ولو خلسةً أذهب لزيارة، أو أذهب للحج، أو أذهب لمكة، أخاف الله كثيراً، أليس كذلك؟ واللهِ انظر، هذا قسم والعياذ بالله، لو يكون عندي خياران لا ثالث لهما، ويتحتم علي الاختيار بين أن أشربَ الخمر أو أكذبَ، ولا خيار ثالث أمامي، واللهِ لاخترتُ شرب الخمر والعياذ بالله؛ فكرهي للكذب لا يوصف، فمن يكذب أمامي أراه شيطاناً، أراه حقيراً -أعزّكم الله- فعلامَ يكذب أحدٌ؟! أنت تطلب العلم والفقاهة أصلها أن يكون لسانك صادقاً، الأصل في لسانك أن تكون صادقاً، فشرب الخمر والعياذ بالله أهون عندي من الكذب، ألا لعنة الله على الكاذبين. فانظر أنت، طالب العلم ما هي مواصفاته؟ هذه كلها أحاديث. فرأس طلب العلم التواضع، كم من معممٍ تراه جباراً، ومتجبراً من هؤلاء الفارغين والله العظيم، وعينه البراءة من الحسد، وكأن الإمام يصف حال طلاب الحوزة؛ واعلم أن طالب العلم إذا رأى طالب علم آخر أفضل منه لا يحسده فقط، بل يسقطه، فلو نُقلت لكم صراعات المعممين الصغار والكبار والمراجع فيما بينهم لطار عقلكم من شدة الحسد، حسدٌ والعياذ بالله. العالم لا يحسد، العالم لا يحسد، العالم يعطي كل ما عنده في سبيل الله، العالم رباني ويعلم الناس كل ما يعرفه في سبيل الله، نعم للمؤمنين المستحقين لذلك.
جميع ما ذُكر (كتاب الكافي، ج١، ص٩٥_٩٦).
