“كلّ مرجعٍ يرى نفسه الأعلم… وكلّ مقلّد يصدّق، فأين الحقيقة؟”

مايو 2, 2026

ظهر المعمّم الأصولي “أحمد الشيباني” بطرحٍ تبنّى فيه جملةً من البدع التي لا أصل لها في كتابٍ ولا سنة، وعلى رأسها القول بوجوب تقليد الفقيه، بل وتقليد الأعلم، وهو طرح يفتح باباً لا ينتهي من التعقيد بلا دليل، ويُعدّ مخالفة صريحة لما ورد من نصوص تذمّ التقليد وتحذّر منه.

أولاً: الدليل النقلي

ويُطرح في هذا السياق تساؤل مباشر: أين الدليل على وجوب تقليد الفقيه، في حين أن الروايات تذمّ التقليد وتعتبره سبباً للهلاك؟ بل وأن أستخدم في خارج الحدود المرسومة -كما هو حال تقليد المراجع- تكون مشركاً بالله!

ثانياً: النتيجة المباشرة

وبناءً على ذلك، فإن بطلان ما سُمّي بتقليد الفقيه يبطل فكرة اختيار المكلّف للفقيه الأعلم أيضاً، لأنها مبنية على أصل غير صحيح من الأساس، فيكون الأمر كله قائماً على شيء لا دليل عليه.

ثالثاً: الإشكالات العقلية

ويأتي هذا الطرح في ظل اعتماد المدرسة الأصولية على مفاهيم الاجتهاد والأعلمية، رغم ما يحيط بها من إشكالات جوهرية في الدليل والتطبيق.

يتضح الخلل بشكل أكبر عند النظر في مسألة اختيار الأعلم، فهنا يُطرح الإشكال مباشرة: نبي الله موسى عليه السلام، وهو نبي عظيم، لم يستطع أن يختار أصحابه على أساس التقوى والصلاح، إذ قد يظهر الشخص بخلاف ما يبطن، فكيف يُطلب من المكلّف البسيط أن يحدد الأعلم بين الفقهاء؟ خصوصاً وأن المعيار عن أهل البيت أن يكون فقيهاً مطيعاً لأمر مولاه، ثم تُطبّق عليه بقية المعايير، وهو أمر يتعذر على عامة الناس تشخيصه.

كما يُطرح سؤال جوهري: على ماذا تقوم الأعلمية؟ هل على أحكام اجتهادية ظنية؟ وإذا كان الأمر كذلك، فكيف لمكلّف بسيط أن يميّز صحة هذه الأحكام أو يحدد الأعلم بينها، وهو لا يمتلك أدوات هذا التمييز؟

رابعاً: التناقضات الواقعية

ويبرز تناقض آخر في واقع المراجع، فإذا كان المرجع الأعلم إذا أفتى ففتواه هي الصحيحة، فكيف تُقبل فتاوى من هو أقل منه علماً؟ من الأحق بالاتباع: الأعلم أم من هو دونه؟وإن قُبلت فتاواهم، سقطت خصوصية الأعلمية عملياً، وأصبح الأعلم وغيره سواء في مقام العمل! مع أن حديث التقاضي يحدد أن الأعلم هو الذي ينبغي أن يحكم بين الناس، لا أن تتعدد الجهات في الحكم والفتوى.

ويزداد الإشكال وضوحاً عند المقارنة بين المراجع، فما الفرق بين هذا وذاك حتى يُلزم بتقليد الأعلم؟ فإذا كان تقليده واجباً، فهذا يعني أن غيره تقع في أحكامه علة وخطأ، وهو ما يوجب تركها، فكيف يُقبل بتعددها أصلاً؟

ومن جهة أخرى، فإن أغلب الأحكام إما متفق عليها بين الجميع أو قائمة على الاجتهاد، ما يجعل المكلّف في موقع من ينتقي الأحكام بيده، وهو ما يهدم أساس فكرة التقليد التي يُراد فرضها عليه.

كما يبرز تساؤل: إذا كان المرجع يعتقد بأعلميته، والإمام قد حكم بأن الأعلم هو الحاكم، فلماذا لا يثبت هذه الأعلمية بشكل قاطع، ويكون هو المرجع الوحيد في الحكم والفتوى؟ وكيف يُترك المجال لمن هم دونه – بحسب هذا الفرض – ليفتوا الناس؟

الخلاصة

يتبيّن من ذلك أن القول بتقليد الفقيه وتحديد الأعلم ليس إلا طرحاً قائماً على الاجتهاد دون دليل، تحيط به تناقضات واضحة في الفهم والتطبيق، ويُحمّل المكلّف ما لا يستطيع، مما يكشف بوضوح أنه من البدع التي لا تستند إلى أصل ثابت.

اترك تعليقاً