مقدمة
تقدّم الكلام في الدروس السابقة عن الصوم المستحب، وقلنا إنّ الصوم المستحب لا يصح في السفر، لأنّ مبدأ اجتماع الصوم مع السفر لا يتحقّق، ولأنّ ذلك ليس من البر، وقد فُصِّل الكلام فيه سابقاً.
كما تقدّم البحث في باب النذر، وبيّنا أنّه لا بد من التفصيل بين النذر وموضوع النذر.
الفرق بين النذر وموضوع النذر
النذر شيء، وموضوع النذر شيء آخر.
القاعدة: إذا كان النذر مستوفياً للشروط فهو صحيح.
أمّا موضوع النذر، فإن كان مُشرعاً صحّ التعلّق به، وإن لم يكن مُشرعاً بطل من حيث الموضوع، لا من حيث أصل النذر.
مثال توضيحي
لو جاء شخص بعد منتصف الليل وقال: «لله عليّ نذر أن أصوم».
النذر من حيث الصيغة والإنشاء: صحيح، لكن موضوع النذر غير متحقق، لأنّه لا يوجد صوم شرعي يبدأ بعد منتصف الليل، فالخلل ليس في أصل النذر، بل في موضوع النذر، لعدم مشروعية الصوم في هذا التوقيت، فيسقط من الذمة، لأنه غير عقلائي وغير مشروع.
بطلان الصوم المستحب المنذور في السفر
غالب فقهاء الأصوليين – فرّق الله بيننا وبين بدعهم – ذهبوا إلى جواز الصوم المستحب في السفر إذا نُذر، وهذا القول باطل، والسبب: أنّهم غفلوا عن نفس الإشكال السابق، وهو :عدم مشروعية اجتماع الصوم مع السفر، فكما لا يصح الصوم بعد منتصف الليل، كذلك لا يصح الصوم في السفر، لأنّ أصل الاجتماع غير مشروع.
الدليل الروائي
ثبت عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) :«أنّه لم يكن يصوم في السفر، لا تطوّعاً ولا فريضة.»
(مجمع البيان،ج١، ص ٢٧٤)
وجاء في الروايات: «ليس من البر الصوم في السفر»
)من لا يحضره الفقيه، ج ۲، ص ۱٤٢)
عن عمار الساباطي قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يقول:« لله عليّ أن أصوم شهراً أو أكثر أو أقل، فعرض له أمر لا بد له من أن يسافر، أيَصوم وهو مسافر؟ قال: «إذا سافر فليفطر، لأنه لا يحل له الصوم في السفر، فريضة كان أو غيره، والصوم في السفر معصية».
(تهذيب الأحكام، ج٤، ص ٣٢٨)
لاحظ بدقة: فريضة كان أو غيره، الصوم في السفر معصية، وهذا نصّ قاطع لا يقبل التأويل.
مناقشة الاستثناءات المزعومة
قد يُقال: ورد الصوم في بعض الأيام الخاصة كـ يوم عرفة.
والجواب: هذه موارد إجازة خاصة لخصوصية اليوم، ولا تعطي مشروعية عامة للصوم المستحب في السفر، فهي استثناء خاص، لا قاعدة.
الحصيلة النهائية
الصوم في السفر لا يصح مطلقاً، ليس من البر، لا واجباً ولا مستحباً،
النصوص جاءت مطلقة ولم تستثنِ النذر ولا المستحب، وهذا الإطلاق حاكم بنفسه، وليس محكوماً لعدم وجود مخصّص معتبر يعارضه.
ملاحظة مهمّة في باب النذر (رفع الاشتباه)
عن صالح بن عبد الله قال: قلت لأبي الحسن موسى عليه السلام: «إن أخي حُبس، فجعلت على نفسي صوم شهر، فصمت، فربما أتاني بعض إخواني فأفطرت أياماً، أأقضيه؟ قال: لا بأس»
(وسائل الشيعة، ج ١٠ ، ص٣٩٣)
التوضيح
هذه الرواية لا علاقة لها بالسفر، الموضوع هنا حضر لا سفر، والرجل كان مستوفياً لشروط النذر، والإفطار كان بعذر شرعي (قدوم الإخوان).
هذه إجازة الصوم الواجب في السفر على نحو الاستثناء، وقد تقدّم الكلام في جميع ذلك،
ثم قال المصنف:« نذر المشروط سفراً وحضراً»
يعني من اشترط أو نذر أن يصوم في السفر، فهذا نذر باطل لا يتحقق، لأن مشروعية الصوم في السفر غير متحققة،«وعلى قول المشهور»؛ ولماذا حصرها بقول المشهور؟ لأنها مسألة خلافية عندهم، والقول المشهور ليس بدليل، فهو يقول قول مشهور إنه يجوز أن ينذر صوماً في السفر، وهذا باطل.
«وهل يحق له الصوم المستحب في السفر؟ قيل لا، وقيل نعم، وقيل يكره، وهو الأشبه»
والأشبه عند المصنف يعني عند المصنف مكروه، وهذا كله باطل، وأنا الآن أسألك: ثلاثة مقلدين، كل واحد منهم يقلد مرجعاً، والعياذ بالله، واحد يقول لا يجوز الصوم في السفر، وواحد يقول يجوز، والآخر يقول مكروه، وثلاثة سافروا معاً، واحد صائم وواحد مفطر وواحد يقول مكروه، أيهم الصحيح عند الله؟ أهذا هو الاجتهاد المبرئ للذمة؟ أعوذ بالله منهم ومن اجتهادهم، عجباً لهؤلاء الناس.
