راية الحق

الشيعة: تشرذم باسم الدين أم تنوع فقهي؟ بل مذاهب داخل مذهب

يوليو 30, 2025

مقدمة: انقسام يتجاوز التنوع الفقهي

تُعدّ الطائفة الشيعية، ثاني أكبر الطوائف الإسلامية، ظاهرة فريدة في مشهدها الداخلي المتشعب، لدرجة ان هذا التشعب يتجاوز بكثير ما نجده في المشهد السني. فما يبدو للبعض “تنوعًا فقهيًا” أو “ثراءً فكريًا”، هو في حقيقة الأمر تشرذمٌ يُنبئ عن انقسامات عميقة، حتى بات المذهب الواحد يضمّ مذاهبَ داخلَه، وكأنهم مصداق لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ}. هذه الآية، بنصها القاطع، تُشير بوضوح إلى خطورة التفرق والتحزب في الدين، فكيف يمكن لمذهبٍ يَدّعي الولاية لأمير المؤمنين عليه السلام أن يتجزأ إلى هذا الحد؟

إن هذا التشتت ليس مجرد خلافات نظرية، بل يتجلى لآثار ملموسة في أوقات ومناسبات حساسة، كالأعياد الدينية التي يفترض أن تجمع المسلمين على قلب رجل واحد. تجد في البيت الواحد من هو صائم وآخر مفطر، لا لشيء إلا لأن “المرجع ما عيد!” وكأن الدين بات رهنًا لأهواء واجتهادات متضاربة، لا لتشريع إلهي واضح. هذا المشهد المضحك المبكي يكسر صورة الوحدة التي يجب أن تسود الأمة، ويُظهر الدين وكأنه مجموعة من “التيارات” المتناحرة: “هذا صدري وهذا سيستاني وهذا شيرازي وهذا صرخي!” وكأنها أسماء لفرق رياضية، لا لمدارس فقهية يفترض أن تستمد من منبع واحد.

من ولاية الإمام إلى ولاية الفقيه: تيهٌ حذّرت منه الروايات!

يُعرف الشيعة على مر الزمن بأنهم أتباع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وأن ولايته هي أساس المذهب. لكن الواقع الملموس اليوم يكشف عن مفارقة مؤلمة: فبينما يُفترض أن يكونوا أتباع الإمام المعصوم، أصبحوا في حقيقة الأمر أتباعًا لمراجعهم، كلٌ بمرجعه وفتواه، حتى تشتتت الكلمة وتفرقت الصفوف. هذا التباين الصارخ بين المبدأ والواقع ليس وليد الصدفة، بل هو انحراف تم التحذير منه مسبقًا في روايات أهل البيت عليهم السلام.

لقد تنبأ أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بما سيؤول إليه حال الشيعة بعد غياب الإمام، وهو ما يظهر جليًا في قول الصادق أبي عبد الله (عليه السلام):

“أَمَا وَ اَللَّهِ لَيَغِيبَنَّ إِمَامُكُمْ سِنِيناً مِنْ دَهْرِكُمْ وَ لَتُمَحَّصُنَّ حَتَّی‌ يُقَالَ مَاتَ قُتِلَ هَلَكَ بِأَيِّ وَادٍ سَلَكَ وَ لَتَدْمَعَنَّ عَلَيْهِ عُيُونُ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ لَتُكْفَؤُنَّ كَمَا تُكْفَأُ اَلسُّفُنُ فِي أَمْوَاجِ اَلْبَحْرِ فَلاَ يَنْجُو إِلاَّ مَنْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَاقَهُ وَ كَتَبَ فِي قَلْبِهِ اَلْإِيمَانَ وَ أَيَّدَهُ «بِرُوحٍ مِنْهُ» وَ لَتُرْفَعَنَّ اِثْنَتَا عَشْرَةَ رَايَةً مُشْتَبِهَةً لاَ يُدْرَی‌ أَيٌّ مِنْ أَيٍّ”. (الکافي ج 1، ص 336).

هذه الرواية تُحذر صراحة من التمحيص والتشتت وظهور رايات مشتبهة لا يُعرف أيها الحق عند اتباعهم، وهو ما يعكس تمامًا واقع الشيعة اليوم، حيث تعدد المرجعيات والآراء المتضاربة. فكيف يمكن لمن يدعي الانتماء لأهل البيت أن يتشتت إلى هذا الحد، ويؤسس تيارات دينية وسياسية بينما “أمرنا أبين من هذه الشمس” كما قال الإمام عليه السلام؟

ليست مجرد اختلافات فقهية: بل اجتهادات عقائدية متصادمة!

الأدهى من ذلك، أن هذا التشتت لم يتوقف عند حدود الاختلاف الفقهي، بل وصل إلى درجة الانقسام إلى فرق عقائدية متناحرة، كلٌ يدعي لنفسه الحق المطلق. فمثلاً تجد من يطلق عن نفسه انه برائي، وتجد آخر يسمي نفسه عرفاني، وآخر قرآني، وكل يشنع على الآخر ويدعي المروق عن المذهب، والعجيب ان هذه اختلافات ليست فقهية، بل عقائدية، ولكن مرجئة الشيعة لا يرتبون اي أثر لهذه الاختلافات، فيقولون ما دامت هذه الفرق على شهادة لا إله الا الله وإن محمد رسول الله، ويوالون الائمة فكلهم شيعة. وهذا ما تناقضه روايات الائمة عليهم السلام.

فمنه قول الباقر أبي جعفر (عليه السلام):

“وَ مِنَ اَلثَّلاَثِ وَ سَبْعِينَ فِرْقَةً ثَلاَثَ عَشْرَةَ فِرْقَةً تَنْتَحِلُ وَلاَيَتَنَا وَ مَوَدَّتَنَا اِثْنَتَا عَشْرَةَ فِرْقَةً مِنْهَا فِي اَلنَّارِ وَ فِرْقَةٌ فِي اَلْجَنَّةِ وَ سِتُّونَ فِرْقَةً مِنْ سَائِرِ اَلنَّاسِ فِي اَلنَّارِ”. (الکافي ج 8، ص).

هذه الرواية الصادمة تُشير بوضوح إلى أن الادعاء بالولاء لأهل البيت لا يكفي للنجاة، وأن الحق ليس متعددًا بل واحد. فمن بين كل تلك الفرق التي تدعي التشيع، لا تنجو إلا فرقة واحدة. هذا يعني أن مجرد التسمي بـ”الشيعي” ليس ضمانة على الإطلاق، لأن الشيعة الحقيقيين هم من يتبعون الإمام لا المراجع، ويسيرون على نهجه لا على أهواء واجتهادات متضاربة.

خاتمة: دعوة للتمسك بالعروة الوثقى

إن هذا الانقسام الديني الجذري، الذي يتجاوز حدود الاختلافات الفقهية الطبيعية كما يصفون، ويصل إلى حد الخلافات العقائدية والولاءات المذهبية المتعددة داخل المذهب الواحد، يُثير تساؤلات جدية حول شرعية هذه الطائفة بالمجمل. فبدلًا من أن يركز أتباع هذا المذهب على التمسك بـ{ٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ} – كما جاء في قوله تعالى: {فَمَن یَكۡفُرۡ بِٱلطَّـٰغُوتِ وَیُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ} – وهي ولاية أمير المؤمنين عليه السلام، نجدهم يتشتتون خلف مراجع متعددة، كلٌ يدّعي الصواب المطلق لنفسه، والأدهى لا يرتبون أثر لهذه الاختلافات.

إن هذا الواقع المرير يطرح سؤالًا جوهريًا: إذا كان الإمام المعصوم (عليه السلام) قد حذر من تعدد الرايات والافتراق إلى فرق، فلماذا تستمر هذه الظاهرة في صفوف من يدعون أنهم أتباع الأئمة؟ ألم يحن الأوان للعودة إلى جوهر الولاية والتمسك بالحبل المتين الذي يجمع ولا يفرق، بدلًا من التشتت خلف رايات تُضعف الدين وتُفرّق المسلمين؟ ألم يحن الوقت لتعلموا أن منهجنا القائم على راية الحكم لله لا طواغيت البشر هو المنهج الحق؟

تعليق واحد على "الشيعة: تشرذم باسم الدين أم تنوع فقهي؟ بل مذاهب داخل مذهب"

اترك تعليقاً