راية صفراء وبيضاء

في رحاب التأييد الإلهي

يوليو 28, 2025

بسم الله وبه نستعين،

لطالما كان التأييد الإلهي فيضاً ولطفاً يمد الله به عباده المؤمنين، مصداقاً لوعده في كتابه الكريم: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

لكن فهم كيفية هذا النصر وشروطه، ولمن يتجلى وبأي قدر يكون– هي أسئلة لا نجد جوابها إلا في رحاب كلام الله وأحاديث العترة الطاهرة. فهم تراجمة الوحي وأمناء الرحمن. وهذا البحث ما هو إلا محاولة متواضعة للغوص في هذا البحر، سعياً لفهم معاني اللطف الخفي الذي يسدد المؤمن، مروراً بالعصمة التي يصان بها النبي والإمام، وصولاً إلى التسديد الخاص من بقية الله في أرضه لشيعته ومواليه.

في معنى التأييد

قبل كل شيء، يجب أن نقف على معنى “التأييد”. الكلمة في أصلها اللغوي تأتي من “الأيد” أي القوة. وهذا المعنى يظهر واضحاً في كتاب الله حين قال عن عيسى عليه السلام: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾، أي قويناه. وحين اقترن بالنصر قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾. فالتأييد إذن هو قوة غيبية يمنحها الله لعباده، تعينهم على الطاعة وتصبرهم في البلاء وتنصرهم على الأعداء.

ولكن هذا التأييد بكل صوره لا يقوم إلا على أساس أسبق وأعمق ألا وهو التوفيق. فما قيمة القوة على العمل إن لم تقترن بمعونة الله وتوفيقه؟ وقد أوضح الإمام الكاظم عليه السلام هذه الحقيقة بوضوح حين بين أن تمام الاستطاعة لا يكون إلا بالقوة المقرونة بالمعونة، وأن المعونة هي التوفيق. ولذلك كان لسان حال العبد الصالح دائمًا: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾. وكما أوصانا أمير المؤمنين سلام الله عليه: “وارغبوا إليه في التوفيق، فإنه أس وثيق”.

كيف يتجلى التأييد ولمن؟

إن أبواب التأييد الإلهي مفتوحة وصوره متعددة ولكنها لا تمنح جزافاً. فهناك شروط لنيلها، ومراتب تتفاوت بتفاوت مستحقيها.

التأييد العام للمؤمنين: فقد بينت لنا الأحاديث الشريفة معالم طريقه وشروطه، منها الإيمان والتوكل الصادق، ونصرة دين الله، والصبر والتقوى، والصدق والإخلاص، وفوق كل ذلك الطاعة التي بها تحضر تلك الروح التي تؤيد المؤمن. وعندما تتحقق هذه الشروط، تتجلى صور التأييد، فتارة يكون بمدد من الملائكة، وتارة بقذف الرعب في قلوب الأعداء، أو بإنزال السكينة في القلوب، وقد يأتي التأييد كما في الحديث بنزع الخوف من قلوب الأخبارية الجدد.

التأييد الخاص: وهو مرتبة سامية اختص الله بها المعصومين عليهم السلام. وأعظم تجليات هذا التأييد هو “العصمة” ذلك الصون الإلهي التام من كل زلل وفتنة ورجس. وهذا التأييد يأتيهم عبر “روح القدس”، تلك الروح التي لا تنام ولا تغفل، وبها يمتاز الحجة عن غيره، وبها يكون علمه وقدرته. وحتى نميز المراتب، نجد الإمام الصادق عليه السلام يوضح لنا الفرق الدقيق حين سئل عن كون سلمان عليه السلام “محدثاً”، فأجاب بأنه كان محدثاً عن إمامه لا عن ربه لأن الحديث المباشر عن ربه هو من شأن الحجة لا غيره.

التأييد في عصر الغيبة والظهور

عندما نتحدث عن النصر الإلهي يبرز لنا في الروايات ذلك الرقم “313” عدد أصحاب طالوت وأهل بدر، وهو نفسه عدد أصحاب صاحب الأمر صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين. تلك الفئة المنصورة التي يفتح الله له بها الأرض على أيديهم ويملؤها قسطاً وعدلاً.

وإن من أعظم صور التأييد التي نعيش في ظلها اليوم، هي ما يجري على يد بقية الله الأعظم صاحب الزمان أرواحنا فداه. فرغم غيبته فإن رعايته وتسديده لشيعته لم ينقطعا يوماً، كما جاء في توقيعه الشريف: “إنا غير مهملين لمراعاتكم ولا ناسين لذكركم”. وهو يسدد العلماء والدعاة المخلصين في عصرنا، كما ساند الشيخ المفيد من قبل. ولا يقتصر عمل الحجة كما يصوره البعض بأن “شغله الشاغل هو التسديد”! بل إن مقامه أعمق وأشمل وأعظم، فهو الحجة المطلقة على الخلق، ومركز الكون وهو الذي به تجري المقادير.

وإن أردنا أن نرى مصداقاً حياً لهذا التسديد في زماننا، فإننا نجده ظاهراً فيمن يقوم بمهمة الدفاع عن عقائد أهل البيت بالحجة والبرهان. ونرى ذلك جليًا في فهم وبيان الأخبارية الجدد للأحاديث الشريفة. وتوضيحهم للعقائد الدقيقة كمفهوم “العجز والفشل” وعلاقتهما بالعصمة، وبيانهم أن مشروع الإمام المهدي عليه السلام هو الوحيد الذي لا يلحقه الفشل، فهو “ظاهر الأئمة الذي يظهر باطنهم” بل وأنه “أفضلهم”!

كلمة أخيرة

في ختام هذا المقال المتواضع، الذي جاء أصلاً جواباً على سؤال أخ كريم، أرجو أن أكون قد وفقت في عرض لمحة عن هذا الموضوع العظيم. فإن كان من صواب فمن فيض الله وتأييده، وإن كان من خطأ أو تقصير فمن نفسي.

وَإِن تَجِد عَيْباً فَسُدَّ الخَلَلَا

فَجَلَّ مَنْ لا عَيْبَ فِيهِ وَعَلَا

وَالحَمْدُ للهِ عَلَى مَا أَوْلَى

.فَنِعْمَ مَا أَوْلَى وَنِعْمَ المَوْلَى

4 تعليقات على "في رحاب التأييد الإلهي"

  1. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    جزاك الله خيرا شيخنا
    الحمدلله الذي هداني و ما كنت لاهتدي اولا ان هداني الله
    اللهم صل على محمد وال محمد

    رد

اترك تعليقاً