قال أبو جعفر عليه السلام:
«قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن حديث آل محمد صعب مستصعب».
الصعب: مثل أن يأتي شخصٌ وتقول له: لا تستطيع أن تفعل هذا الأمر لأنه صعب، فيقول لك: لا، وإن كان صعبًا أستطيع فعله، وتقول له: وإن كنت تستطيع أن تفعل ذلك الصعب الذي من الصعب الإتيان به، ذلك الصعب مستصعب.
ونكمل الحديث:
«لا يؤمن به إلا ملك مقرّب، أو نبيّ مرسل، أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان، فما ورد عليكم من حديث آل محمد فلانت له قلوبكم وعرفتُموه فاقبلوه، وما اشمأزّت منه قلوبكم وأنكرتموه فَرُدّوه إلى الله وإلى الرسول وإلى العالم من آل محمد، إنما الهالك أن يُحَدَّث أحدكم بشيء لا يحتمله فيقول: والله ما كان هذا، والله ما كان هذا، والإنكار هو الكفر».(البرهان ج٥، ص٨٥٨)
وورد عن أبي عبد الله عليه السلام: حديثنا صعب مستصعب قال: قلت: فسِّر لي جُعلت فداك. فقال: ذكوان ذكيّ، أبدا أجرَد طريّ أبدا. قلت: مقنّع؟قال: مستور.
(بصائر الدرجات ج١، ص٢٢)
قولوا لي: هل سمعتم بمنهج أو داعية طبّق الواقع في الأحاديث تطبيقًا؟ أحيينا “الغِربال” وبيّنا الغِربال وتحدّثنا في الغِربال، وأحيينا الصعب المستصعب. فلماذا كل هذا التأكيد على الغِربال؟ لأن واقعنا تحقّق؛ الكثير من الناس آمنوا بهذا المنهج وتغرْبلوا. الفطرة هي الواقع، وعادة الفطرة لا تنفك عن الحقيقة.
على مرّ العصور، رجل الدين يمضي على أنّ كل من يقول: “لا إله إلا الله، محمد رسول الله” مسلم، ولديهم سياسات وسياقات ثابتة لا يخرجون عنها، وهذه السنينة كلها كذب. لذلك ترى اليوم أنّه عندما ينظر أحدهم إلى الأخباري من الإخبارية الجدد ينظر إليه كحالة تمرّد؛ فالشخص إذا أراد التباهي أو إظهار العداء للواقع ينسب نفسه إلى “الإخبارية الجدد” لأنه اسم يدلّ على التمرّد. الناس تائهون؛ وصل بهم الحال إلى أن يصلّوا الفجر عند ارتفاع قرص الشمس! فسرّوا الأحاديث تفسيرًا خاطئًا.
الله نظّمنا. البارحة بعث لي الشباب صورًا كانوا ملتقين عندها ، والفرحة في عيونهم. وأنا الوحيد الذي نام مرتاحًا، لأنني قبلها كنت متضايقًا من تسريحي من العمل، لكنني نمت مرتاحًا وكأني ملكت الدنيا. الآن عندما يلتقي واحد من “الإخبارية الجدد” يفرحون ويبتهجون ويرسلون لي الصور: “شيخنا التقيت بواحد من الإخبارية الجدد”. هذه الأرواح التقت وتآلفت منذ خُلقت، وتحققت الألفة اليوم؛ لأنه هذا هو أخوك الحقيقي.
الله عز وجل جمعنا وهيّأنا؛ كل شيء مرتّب. لدينا حاضنة (المنتدى)، ولدينا جامعة من أرقى الجامعات، ونادرًا ما تجد دروسًا كهذه، منذ تأسيس الحوزة إلى يومنا هذا، هل الكلام الذي يجري في الحوزات عند المعممين جعل الإنسان يُغربَل؟ لا وإنما كلام طبيعي(لفظة الصعب المستصعب ميتة عندهم)، أقسم برب الناس ملك الناس إله الناس، لو كنت أصوليًا لَصِرت “جوة الله بشبر“، بمعنى أن المرجع يموت حتى يحصلني!
عندما تقول: “صعب مستصعب“، أليس لهذا أثر؟ أعطني حدثًا جرى منذ عصر الغيبة الكبرى أو الصغرى إلى اليوم، فيه “صعب مستصعب” وغُربِل به الناس. ماكو! نحن فقط مصداق الحديث؛ نحن أهلها ورجالها ومصداقها. وإلا فكم من الناس يُغربَلون إن لم يكن هناك “صعب مستصعب“؟
لذلك: الإخبارية تقول إن كل من يقع في قلبه حبٌّ للأصولي “كمنهج“، أو يعتقد ولو بشعرة من أحقيتهم، أو شعرة من أحقيّة المجلسي أو الشيخي أو غيرهم من المناهج الكافرة؛ فقد كفر بما أُنزِل على محمد صلى الله عليه وآله.
سبب الكفر: أنه اعتقد بأحقية الباطل.
التمتع بالمتزوجة ومناغاة الفطرة
عمليات التوضيح والانقلاب هذه تبرز الحقيقة في الفطرة، فتتبعه الناس. الأمر الثاني: إحياء ذكر [صاحب الأمر] وأصبح على لسان المحقين والمضلين، ووصلوا لمرحلة بسبب بغض [صاحب الأمر] انتقصوا من مقاماته! وإلا فهذه القضايا لم تُطرح أبداً. فأذكّرك: إن لم نكن نحن أهلها فمن هو أهلها؟! لماذا تنكر الأنزعية؟! الخطبة الأنزعية يكفر بها الناس، كثير من الناس وإجماع المراجع يردّونها. وكنت قد شرحت للشباب عبر الهاتف في مسألة [محمداً مصنوع لو غير مصنوع]، فقلت له: «في المستصعب ما مصنوع، وفي غير المستصعب مصنوع». شرحت لهم، أول شيء كفروا، لكن عقائدهم قوية وثبتوا.
كمثال: “ترامب” قام بانقلاب على السياسات وتكلم بالحقيقة، لذلك الناس تحبه؛ خاطب فطرتهم. ما التغيير المناخي؟ أمريكا تدفع ملايين الدولارات لأجله، فقال لهم: شنو معنى هذا الصرف؟! والصين حارقة السماء بالمعامل مالتها، والتلوث يومين ثلاثة ويجينا، واحنا أكثر الدول ندفع لها! قال: ما بيها أي معنى.
فمخاطبة فطرة الناس ليست في الدين فقط، بل بالحقائق الاجتماعية والدنيوية تجعل الإنسان ينسجم مع الحقيقة، فكيف إذا كان في الدين؟ كل هذه الأذية لي، ولا أستطيع زيارة المعصومين أو الدخول للسعودية أو السفر إلى بعض الدول العربية، لماذا؟ لأني كفّرت بعض الناس؟ التكفير هذا لا يهددهم مادياً. وردتي بيدي، وأدعو للسلام، وأعمل ساعات في تفقيه الناس وخدمتهم، وحاربت الدنيا من أجل هذا الدين، وذهبت للحج مرتين. بالله عليك تقبلها؟! أنا أقول: يجوز التمتع بالمتزوجة؟! هاي وين صايرة؟! في العنوان هو زوجها، لكن في الحقيقة…
عَنْ عَمّارٍ الساباطيّ قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول:
«كلُّ مسلمٍ بينَ مسلمينَ ارتدَّ عن الإسلامِ وجحدَ محمداً نبوّتَهُ وكذّبهُ فإنَّ دمَهُ مُباحٌ لكلِّ منْ سَمِعَ ذلكَ منهُ وامرأتُهُ بائنةٌ منهُ يومَ ارتدَّ فلا تقربهُ ويُقسمُ مالُهُ على ورثتِهِ وتعتدُّ امرأتُهُ عدّةَ المتوفّى عنها زوجُها وعلى الإمامِ أن يقتلَهُ ولا يستتيبَهُ».(تهذيب الأحكام ج١٠، ص١٣٤)
حتى الناصبي المتزوج من مسلمة بالأوراق والعقد زوجته، إذا ارتد “كفر“، زوجته بمجرد ما كفر تنفصل عنه وتعتد «أربعة أشهر وعشرة أيام» وتحرم عليه للأبد، ولها حق الزواج وتفعل ما تشاء؛ مع العلم أنها بالأوراق بعدها زوجته، فهذا ظاهراً أمام الناس. يقولون: هذه زوجته، لكن بالحقيقة ليست كذلك. فهذا فقه متفق عليه، وسنجده عند الأصوليين والناصبة، مع أن عند الناصبة خلافًا في المسألة.
فكل شخص كان على هذا الأمر ثم انحرف فهو “كافر” لأنه تلبّس بالأمر ثم جحد به، وكل امرأة هي مباحة للإخبارية الجدد(إذا وقع عليها هذا الأمر وكفرت به)، فلا يُحكم عليها بالاستضعاف، فيحرم عليك العقد عليها، لماذا؟ لأنها محكومة بالكفر، والكافر لا عقد له، وإنما يُباح، فإذا دخلت في إباحتك، لا تقدر أنت ولا غيرك أن يتمتع بها إلا بموافقتك؛ أنت تحلّها له.
خلّيني أشرح لك: هي عندك، وما يحق لها تكون عند غيرك. يأتيك أحد (شرط أن يكون من الإخبارية الجدد) ويقول: (أريد أن أتمتع بها). فتحلّها له لأنها تحت تصرفك. تعتد هي حيضة واحدة، ويأخذها ويتمتع بها ثم يرجعها لك. أيضاً تعتد حيضة واحدة، وهي لك.
انظر، هذه السياقات؛ المعمم الذي يمشي بها نحن ما عندنا. فالناس تُخاطَب بالفطرة. لاحِظ القواعد: المعمّمين أوقفوا كل هذه الأحكام، وهي ليست متوقفة! لو نقعد وجهًا لوجه وأتكلم معك بكلام، أجعلك تقطع شعرك!
حديث “عارية الفرج” وتطبيقه على القضية
عَنِ الحسنِ الطعّارِ قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن عارية الفرج فقال:«لا بأسَ به». قلت: فإن كان منه ولد؟ فقال: «لصاحبِ الجاريةِ إلا أن يشترطَ عليه».
(الاستبصار ج٣، ص١٣٨)
يعني: إذا تمتع بها عند الاستعارة وولدت ولدًا، فالولد للمتمتع بها، وهي ترجع لصاحبها.
وعن أبي العباس البقباق قال: سأل رجلٌ أبا عبد الله عليه السلام ونحن عنده عن عارية الفرج، فقال:«حرام». ثم مكث قليلاً وقال:«لكن لا بأس بأن يُحلّ الرجلُ جاريتَهُ لأخيه».
(الاستبصار ج٣، ص١٤٠)
هذا “الحرام” يعني إذا تأخذها استعارة؛ لا توجد استعارة، يوجد استحلال حليتها.
الأصوليون اعتبروها تعارض أدلة. فأنت ظاهرًا تتمتع بالمتزوجة، لكن في الحقيقة هي ليست بزوجة. ويجب أن تقول لها أن تعتد عدتها، وهذه مشكلتها هي، ليست مشكلتك. لكن بلّغها: عليها أن تعتد. والآن غالب النساء المستضعفات تحت وصاية زوج كافر في الواقع الديني.
حقيقة وظيفة الامام الحسن العسكري وامامته
انا اربي وأُعلّم الاخباريّة الجدد حقائق، قسم بالله العلي العظيم! احلم وامنية عندي وانا في ريعان شبابي بعمركم يجي واحد مثل واثق الشمري يعلّمني، وفتنة صاحب الامر إحدى مصاديقها مصاديق صدق الدعوة، ما تراها متحققة على لسان المبطلين والمبغضين إلا في زمننا، وأسألك بالله: شنو الي قدمه للاسلام الحسن العسكري (عليه السلام)؟؟ الامام المعصوم اذا كان قادر على ملء الارض قسطاً وعدلاً، ليش ما سواها؟
وهي وحدة من اثنين: لو الله عبثاً بعثكم أوصياء، لأن هو هدف كل وصي ونبي يملأ الارض قسطاً وعدلاً، فليش ما ملأها؟ ما يقدر! يقتلوه، ما يقدر، انبياء قُتلوا، نبي الله يحيى ذبحوه، زين ليش انت ما تسويها لعد وهو هدفك؟ الحسن العسكري امامته مقاماً، اما تكليفه فهو التمهيد لصاحب الامر، الامام العسكري اول شيء يريد يثبت ولادة المهدي.
وانت بالله عليك: امام ومعصوم ومفترض الطاعة، شنو اللي سواه؟ مجرد عمل لصاحب الامر، وهسه اقول لك شنو علة استشهاد الامام العسكري عند عمر الخمس سنين لصاحب الامر: لأن امامته أُبطلت عند وجود صاحب الامر! اخباري.
الامام العسكري مقاماً امام معصوم مفترض الطاعة، لكن شنو وظيفته؟ حاله حال الامام زين العابدين: بالله عليك، مع كل التقديس، لا يحل ولا يربط، مريض اسير مبايع يزيد! هذا واقع الامام زين العابدين. زين شنو اللي قدمه؟ شنو الفائدة من بعثته كوصي؟ أليس الهدف هداية الناس؟ شو كلهم مضطهدين ومظلومين ومسجونين!
خطورة وجود المهدي أوقفت امامة الحسن العسكري. امامته كانت واقفة، ووظيفته فقط التمهيد لصاحب الامر. وهي علة موته عندما صار عمر الصاحب خمس سنين.
عجز الحسن ومقام الصاحب عليهم السلام
في كمال الدين وتمام النعمة:
«لما صالح الحسن بن علي (عليهم السلام) معاوية بن أبي سفيان دخل عليه الناس فلامه البعض على بيعته».
الأصوليون يسعون لنفي أن الحسن بايع معاوية، والواقع أن الحسن بايعه! وبهذا يبطل إشكال الناصبي. الحسن بايع معاوية، وزين العابدين بايع يزيد، وعلي بايع أبو بكر. وقد فشلوا في تحقيق العدل، وإلا كيف علي سكت في مسألة قتل فاطمة؟ لأنه عجز. يستطيع أن يدافع ويضرب، ولكن يقتضي أن يملأها قسطاً وعدلاً ولا يستطيع، صلاحيته ما توصل لهذا.
وما المشكلة في مبايعة الحسن لمعاوية؟ وهو عليه السلام لا حول له ولا قوة. والحديث يقول: «ما من إمام إلا في عنقه بيعة».
ولو وُجد صاحب الأمر المهدي في زمن علي ومحمد لأصبحت فوضى، لأنه كان يجب عليهما أن ينطويا تحت لوائه، وهي علة عدم خلقه في زمانهم، وإلا لاقتضى أن يبايعاه، وهذا غير ممكن.
قد يقول البعض: الحسن صالح معاوية. وهذا غير صحيح. كيف يصح وقد فرض معاوية البيعة؟! وفرض على من لا يبايع أن يقطع عنقه. فكيف يُترك الحسن لو فعلاً كان صالحه فقط؟
«لما صالح الحسن بن علي عليهم السلام معاوية، دخل عليه الناس فلامه البعض على بيعته فقال: ويحكم، ما تدرون ما عملت؟ والله الذي عملته خير لشيعتي مما طلعت عليه شمس أو غربت…
أما علمتم أنه ما منا أحد إلا ويقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه إلا القائم الذي يصلي روح الله عيسى بن مريم خلفه».(كمال الدين وتمام النعمة ج١ ص٣١٥)
ما علة أن ما فعله كان “خيراً مما طلعت عليه الشمس”؟ لأنه أقرّ أنه في عنقه بيعة ولا حول له ولا قوة، وهذا الإقرار تمهيد لصاحب الأمر.
وبالمناسبة: كل الانبياء والائمة جمعاً، وظيفتهم التمهيد للمهدي، وهذه إحدى تفسيرات العجز، وأن ما يفعلونه وظيفة هداية الناس، أما الوظيفة الكبرى فعملهم كله تمهيد.
الخلاصة
مصداق صحة قولنا هو موافقته لكلام أهل البيت واستنباطه منهم، فـ”فشل الأنبياء والمعصومين وعجزهم، والتمتع بالمتزوجة” عنوان ظاهري لا يفهمه البعض، لكنهم لو علموا أن الفشل قداسة للمعصومين، وأن التمتع هو بمن ليست متزوجة بالحقيقة بل بالوثائق، لتناغمت فطرتهم مع قولنا، وذلك يجري واقعاً. وأن إمامة الائمة وعلة استشهاد الحسن العسكري عليهم السلام تُبطل عند وجود المهدي في زمنهم، وهو من دلائل أفضلية الصاحب، إذ لا يبايع الأفضل إلا الأفضل منه.
