مقدمة
هذا موضوع كان ولا يزال يُثار في القنوات المعادية لفكر محمد وآله، وهم يستدلون بأي شيء للحطّ من قضية الإمامة. وعنوانه، بلسان حال الناصبي، هو: «بدا الله في إمامة إسماعيل ونشأة الإسماعيلية وتخبّط الشيعة وعدم وجود دليل في الإمامة والطعن بعلم الله تبارك وتعالى». وهذه شبهة قد ترد حتى في فكر الشيعي، وأغلب مواضيعي تُطرح بلسان حال المعادي، فأطرح الشبهة بوضوح ونناقشها. ويتمحور الموضوع حول ثلاثة محاور: إمامة إسماعيل، والبداء، ونشأة الفرقة الإسماعيلية. فكان المتوقع أن تكون الإمامة في إسماعيل، فلما توفي صارت صدمة عند الشيعة، فقالت فرقة منهم إنه لم يتوفَّ، وذهب القسم الأغلب إلى موسى بن جعفر (عليه السلام).
ضابطة البداء
البداء لا يكون في الأصول ولا في العقيدة، فلا يصحّ أن يُقال مثلًا: كان زواج المتعة ثم بدا الله في أمره فحرّمه. وإمامة الأئمة تاج على رأس الأصول، ولا يقع فيها بداء، ومن قال إن الإمام الحجة لن يظهر لأن الله يبدو في أمره فهذه مقالة كفر.
والبداء يكون في الأمور التشريعية العبادات والمعاملات، وهذه هي الضابطة والقاعدة التي ترجع إليها.
ومثال البداء في العبادات: أن يكون مقدَّرًا لي أن أعيش سبعين سنة، فأتصدق أو أعمل عملًا يطيل الله بسببه عمري إلى تسعين عامًا، أو من وصل رحمه، أو في زيادة الرزق مثل المواظبة على صلاة الليل. أما أصل قضية الإمامة فليس فيها بداء، فانتبهوا.
الروايات المحتجّ بها
عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته وطلبتُ وقضيتُ إليه أن يجعل هذا الأمر إلى إسماعيل، فأبى الله إلا أن يجعله لأبي الحسن موسى (عليه السلام)».¹
عن أبي عبد الله (عليه السلام): «إني ناجيت الله ونازلته في إسماعيل ابني أن يكون من بعدي، فأبى ربي إلا أن يكون موسى ابني».²
عن الصادق (عليه السلام): «ما بدا الله بداءً كما بدا له في إسماعيل، إذ أمر أباه بذبحه ثم فداه بذبح عظيم».³
وهذا في نبي ابن نبي، وفي قضية إسماعيل (عليه السلام) أيضًا. والمشكلة بيننا وبين النواصب هي عدم فهمهم لمباني الشيعة. وأتشرف وعلى رأسي كل الذين يدافعون عن العقيدة بنية صافية، ولكن الأطروحة تأتي دائمًا ملوثة بتلوث ناصبي، ولا توجد أطروحة صريحة مئة بالمئة في قضية محمد وآله. حتى العمامة أُهينت بسبب إدارات الحوزة الخاطئة، والله العظيم إن العمامة إذا لُبست بحقيقتها تهتز الجبال لأجلها، وسأطرح هذا في موضوع مستقل.
قضية الأئمة الاثني عشر والفرق بين الإخبار والنسخ
الأئمة الاثنا عشر (عليهم السلام) من ثوابت الإسلام ومن عمود الدين، ولولاهم لما تمّت رسالة رسول الله، فكما قُدّر لرسول الله الرسالة فإنها لا تتم إلا بالاثني عشر. فكيف يكون فيها بداء؟ هذا يكون كذبًا على الله، حاشا لله تبارك وتعالى. وهناك فرق واسع وشاسع بين الإخبار وبين نسخ الأحكام؛ فالسماء أخبرتنا بأن هناك أئمة أوتاد الأرض، وهذا لا بداء فيه.
الاحتجاج بالروايات وردّه
يحتجّ المخالفون بأن هذا هو سبب نشأة الفرقة الإسماعيلية، وأن الشيعة كانوا يعتقدون أن إسماعيل ابن الإمام الصادق هو الإمام المفترض، فلما مات في حياة أبيه صارت فتنة، فأجاب الإمام: بدا لله في أمره. فاتهموا الشيعة بنسبة الجهل إلى الله وبعدم وجود دليل واضح في الإمامة. وهذا البناء العالي كله بنوه على قضية هشّة، لأنهم لم يفهموا الرواية، وهذه القراءة وحدها تغيّر المسار كله.
فالإمام (عليه السلام) يريد أن يقول لنا إن الإمامة ليست بيده، وإن تنصيب الإمام لا بيد رسول الله ولا بيد علي بن أبي طالب ولا بيد المعصومين، بل بيد الله تبارك وتعالى، ورسول الله منفِّذ لأمره. والإمامة من أعلى المقامات، ومن دون رسول الله لا يوجد على وجه الأرض أحد أعلى مقامًا من الأئمة الاثني عشر وفاطمة (عليهم السلام).
ويحتجّ الناصبي من قوله: «سألته وطلبته وقضيته إليه أن يجعل هذا الأمر إلى إسماعيل فأبى» فيقول: إن الإمامة عندكم كانت في إسماعيل ثم صارت في غيره، فهي إذن ليست واضحة عندكم. ويبني على هذه القراءة الخاطئة جملة من الشبهات، وليس من حقه ذلك لأنه لا يفهم القضية. والعرف السائد أن الإمام يختار من يأتي بعده، وهذا خطأ، وهنا دليل واضح وصريح على أن الإمامة ليست بيد الأئمة (عليهم السلام)، بدليل قوله: «فأبى الله إلا أن يجعله لأبي الحسن موسى (عليه السلام)»، فهو الإمام المفترض الطاعة باختيار الله تبارك وتعالى.
أما من يستدل بأن هذا الحديث لا دلالة فيه على الإمامة لأن الإمام الصادق يطلبها لإسماعيل، فهذا وهمٌ. فهذه الأحاديث أدلة قطعية على أن الإمامة منصوصة من الله تبارك وتعالى، بل دليل فوق دليل، فإن المعصوم يسأل الله والله يعطيها لغيره. والإمام سلام الله عليه يريد أن يبيّن للناس أن الإمامة أمر وتنصيب من الله.
نشأة الفرقة الإسماعيلية
كان الإمام (عليه السلام) في تقية شديدة، وفي زمن المنصور كان القرار أنه إذا أوصى الإمام الصادق إلى أحد وجب أن يُقتل ذلك الشخص، فشتّت الإمام الوصية، ولم يفهم معناها إلا شيعته الخاصة والمقرّبون من تلك الشفرة التي استخدمها الإمام لإنقاذ الموصى إليه من طغيان المنصور (لعنة الله عليه).
مناقب ابن شهرآشوب: داود بن كثير الرقي قال: أتى أعرابي إلى أبي حمزة الثمالي فسأله خبرا فقال: توفي جعفر الصادق (عليه السلام) فشهق شهقة وأُغمي عليه. فلما أفاق قال: هل أوصى إلى أحد؟ قال: نعم، أوصى إلى ابنه عبد الله وموسى وأبي جعفر المنصور. فضحك أبو حمزة وقال: الحمد لله الذي هدانا إلى الهدى، وبيّن لنا عن الكبير، ودلّنا على الصغير، وأخفى عن أمر عظيم. فسُئل عن قوله فقال: بيّن عيوب الكبير ودلّ على الصغير الذي هو موسى بن جعفر لإضافته إياه، وكتم الوصية للمنصور، لأن المنصور لو سأل عن الوصي لقيل له…» ⁴
وفي رواية أخرى أنه أوصى إلى خمسة نفر من ضمنهم موسى بن جعفر عليه السلام، وفيها: الحمد لله الذي دلّ على عيوب الكبير وأخفى عن الصغير الذي هو الإمام الوصي الحقيقي، وأشار إلى المنصور حتى يظل دائخًا لا يعرف من هو الوصي، وهو من ضمن الذين أوصى لهم، حتى لا يقتل أحدًا، فتضيع القضية مع التسديد الإلهي حتى تتم مقادير الإمامة.
فالإمام كان في تقية شديدة ولم يستطع أن يصعد المنصة ويقول: أيها الناس، إن من بعدي هو فلان. والنصوص تبيّن أن الوصي هو موسى بن جعفر، ولكن الناس غافلة. ومن هنا نشأت الفرقة الإسماعيلية، إذ اعتقدوا أن الإمام في ولده الأكبر، وهناك فرق بين اللفظين: فالإمام أوصى، وهم اعتقدوا أنه في ولده الأكبر إسماعيل. فما ذنب الإمام الصادق (عليه السلام).
تعريف البداء
أصل الخلاف بيننا وبين النواصب أنهم لا يقبلون منا تعريف البداء. فالبداء عندنا هو إظهار الخفي من أمر الله تبارك وتعالى، وليس التغيير ولا التبديل. ونحن نتفق مع النواصب على أن البداء يكون في الأحكام والتشريعات، ولا يكون في قضايا الأصول والأخبار لأنه يكون كذبًا.
يقول الشيخ الصدوق في التوحيد «والبداء ليس من ندامة، وهو ظهور أمر. تقول العرب: بدا لي شخص في طريقي، أي ظهر. قال الله عز وجل: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾، أي ظهر لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون. ومتى ظهر لله تعالى ذكره من عبد صلة لرحمه زاد في عمره، ومتى ظهر له منه قطيعة لرحمه نقص من عمره… ومن ذلك قول الصادق عليه السلام: ما بدا لله في إسماعيل ابني، أي ما ظهر لله أمر كما ظهر له في إسماعيل ابني إذ اخترمه قبلي ليُعلم بذلك أنه ليس بإمام بعدي».⁵
شرح العلامة المجلسي
أن المخالفين احتجوا بقول أبيه: «ما بدا لله في شيء كما بدا له في إسماعيل»، فقيل لهم: فلا يقع منه البداء في الإمامة. ثم يشرحه:
«فأما الرواية عن أبي عبد الله (عليه السلام) من قوله: ما بدا لله في شيء كما بدا له في إسماعيل، فإنها على غير ما توهموها أيضًا من البداء في الإمامة، وإنما معناها ما رُوي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: إن الله عز وجل كتب القتل على ابن إسماعيل مرتين، فسألته فيه فرقًا، فما بدا له في شيء كما بدا له في إسماعيل. يعني به ما ذكره من القتل الذي كان مكتوبًا فصرفه عنه بمسألة أبي عبد الله (عليه السلام). فأما الإمامة فإنه لا يُوصف الله عز وجل بالبداء فيها، وعلى ذلك أجمع فقهاء الإمامية».⁶
وقد اتهمت قناة ناصبية في أوائل أيام رمضان الشيعة مباشرة بأنهم يقولون بدا الله في الإمامة، وفسّروا البداء في قضية إسماعيل بأنه قضية للإمامة، وهذا من الجهل.
وفي بحار الأنوار، نفس المصدر:
«وذكرتَ إسماعيل، هو إسماعيل بن جعفر بن محمد الباقر (عليه السلام)، وكان رجلًا صالحًا، فظن أبو بصير وغيره من الشيعة أنه وصيّ لأبيه بعده،
فلذلك قال الصادق عليه السلام بعد موته: ما بدا لله في شيء كما بدا له في إسماعيل ابني. وليس معناه أن الله تعالى رجع عن الحكم بإمامته بعد أبيه وبدا له بداء ندامة، كيف وقد قال عليه السلام: (من زعم أن الله تعالى بدا له في شيء بداء ندامة فهو عندنا كافر بالله العظيم). بل معناه ما أشار إليه الصدوق رحمه الله، وحاصله: أن الله تعالى أظهر شيئًا كان مخفيًّا للخلق، مثل ما أظهر من عدم إمامة ابن إسماعيل، إذ اخترمه وأماته قبلي ليعلم الناس أنه ليس بإمام بعدي».
فمن يعتقد أن الله يبدو له، أي يندم أو لم يكن يعلم ثم علم، فهو كافر بالله تبارك وتعالى.
الخلاصة
أولًا: البداء ليس تغييرًا في علم الله، بل هو إظهار الخفي من أمر الله تبارك وتعالى.
ثانيًا: قول الإمام «ما بدا الله كما بدا في إسماعيل» معناه أنه قُدّر له الموت، وسأل الإمام (عليه السلام) الله عز وجل مرتين، لأن الإمامة لا بداء فيها، وعلى ذلك إجماع الفقهاء الإمامية كما في بحار الأنوار.
ثالثًا: منشأ الفرقة الإسماعيلية أنهم اعتقدوا أن ولد الإمام الصادق الأكبر هو الإمام، ولا يصح أن يُحمَّل الفكر الشيعي ذلك، بسبب التقية الشديدة التي كان يعيشها الإمام الصادق عليه السلام، حتى أوصى إلى خمسة، ومن ضمنهم الإمام موسى بن جعفر، وعرف خواصّه أنه أوصى إلى موسى بن جعفر، لكنه أراد أن يخفي ذلك.
المصادر:
1_ بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار – ص492
2_ بحار الأنوار – ج47 – ص269
3_ التوحيد للشيخ الصدوق – ج1 – ص336
4_ بحار الأنوار- ج47 – ص6
5_ التوحيد للشيخ الصدوق – ص336–337 بتصحيح وتعليق السيد هاشم الحسيني الطهراني
6_ بحار الأنوار – ج37 – ص13
