بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيّبين الطاهرين.
من أحاديث الإمام الصادق (صلوات الله عليه) لتلميذه المفضّل بن عمر (رضوان الله تعالى عليه):«وأعجب منهم جميعًا المعطّلة الذين راموا أن يدركوا بالحسّ ما لا يدرك بالعقل، فلما أعوزهم ذلك خرجوا إلى الجحود والتكذيب، فقالوا: ولم لا يدرك بالحسّ؟ قيل: لأنّه فوق مرتبة الحسّ، كما لا يدرك البصر ما هو فوق مرتبته، فإنك لو رأيت حجرًا يرتفع في الهواء علمت أنّ راميًا رمى به، فليس هذا العلم من قبل البصر، بل من قبل العقل، لأنّ العقل هو الذي يميزه، فيعلم أنّ الحجر لا يذهب علوًا من تلقاء نفسه. أفلا ترى كيف وقف البصر على حدّه فلم يتجاوزه؟ فكذلك يقف العقل على حدّه من معرفة الخالق فلا يعدوه، ولكنّه يعقله بعقل، أقرّ أنّ فيه نفسًا، ولم يعاينها، ولم يدركها بحاسّة من الحواسّ».
(توحيد المفضل بن عمر – ص 215)
يُبيّن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّ لكلّ وسيلة من وسائل الإدراك مجالًا وحدًّا لا تتجاوزه، فلا يصح أن يُطلب من الحواسّ ما هو من شأن العقل، كما لا يُطلب من البصر إدراك ما هو خارج عن قدرته. فوجود الخالق سبحانه تُدركه العقول من خلال آثاره ودلائل حكمته، لا عن طريق المشاهدة الحسّيّة، كما يدرك الإنسان وجود النفس، وآثارها، مع أنّه لا يراها بعينه، ولا يلمسها بحواسّه. وبهذا يرسخ الإمام أصلا عقليا راسخا، وهو أنّ قصور الحس عن إدراك شيء لا يدل على عدم وجوده، وإنما يدل على أن لكل أداة مجالها الذي خُلقت له، وأنّ تجاوز هذه الحدود يوقع صاحبه في الوهم والإنكار، بينما يقود التأمل الصحيح إلى الإقرار بحكمة الخالق، وعظيم تدبيره.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
