المقدّمة:
لمّا وجد النواصب أنه لا مقارنة بين شجاعة عليّ (عليه السلام) وبين جبن عمر، لجؤوا إلى الطعن في شجاعة أمير المؤمنين، فمن شبهاتهم الهزيلة بفهمهم السقيم هذه الرواية التي أوردها الشيخ المفيد في الأمالي، وسنبيّنها لكم.
الرواية:
«أخبرني أبو بكر محمّد بن عمر الجعابي قال: حدّثنا أبو الحسين العبّاس بن المغيرة قال: حدّثنا أبو بكر أحمد بن منصور الرمادي قال: حدّثنا سعيد بن عفير قال: حدّثني ابن لهيعة، عن خالد بن يزيد، عن ابن أبي هلال، عن مروان بن عثمان قال: لما بايع الناس أبا بكر دخل عليّ (عليه السلام) والزبير و المقداد بيت فاطمة (عليها السلام)، وأبوا أن يخرجوا، فقال عمر بن الخطّاب: اضرموا عليهم البيت نارا، فخرج الزبير ومعه سيفه، فقال أبو بكر: عليكم بالكلب، فقصدوا نحوه، فزلّت قدمه وسقط إلى الأرض ووقع السيف من يده، فقال أبو بكر: اضربوا به الحجر، فضرب بسيفه الحجر حتّى انكسر. وخرج عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) نحو العالية فلقيه ثابت بن قيس بن شمّاس، فقال: ما شأنك يا أبا الحسن؟ فقال: أرادوا أن يحرقوا عليّ بيتي وأبو بكر على المنبر يبايع له ولا يدفع عن ذلك ولا ينكره، فقال له ثابت: ولا تفارق كفّي يدك حتى أقتل دونك، فانطلقا جميعا حتى عادا إلى المدينة وإذا فاطمة (عليها السلام) واقفة على بابها، وقد خلت دارها من أحد من القوم وهي تقول: لا عهد لي بقوم أسوا محضرا منكم، تركتم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) جنازة بين أيدينا وقطعتم أمركم بينكم لم تستأمرونا وصنعتم بنا ما صنعتم ولم تروا لنا حقّا»¹.
كشف اللّبس:
من باب أوّلي هذه الرواية من الناصبة ورواتها نواصب، وأوردها الشيخ المفيد من باب الاحتجاج على النواصب، ومع كون الرواية أصلها من الناصبة إلّا أنّها محكومة بأحاديثنا، فلا نكذّبها لأنّها توافق أحاديثنا ولا تعارضها.
وقد ثبت عندنا أصل تهديد أبو بكر وعمر (لعنهما الله) وإحراق بيت عليّ (عليه السلام) والاعتداء على فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وأنّ عليّا (عليه السلام) أخذ بتلابيب الثاني ووجأ بأنفه ورقبته وهمّ بقتله، وتركه اتباعا لوصيّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فوفق هذه الرواية عليّ (عليه السلام) خرج نحو العالية بعد هذه الأحداث وليس أنّه ترك الزهراء (عليها السلام) ولم يدافع عنها.
ومن القرائن في الرواية ذاتها على أنّ خروج أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يكن هروبا: أنّ بيت الزهراء (عليها السلام) كان خاليا من القوم حين رجع أمير المؤمنين (عليه السلام) برفقة ثابت بن قيس؛ إذ تقول الرواية: «فانطلقا جميعا حتى عادا إلى المدينة، وإذا فاطمة (عليها السلام) واقفة على بابها، وقد خلت دارها من أحد من القوم»، إذ إنّ خلو البيت يدلّ على انتهاء المشكلة وما حصل من خروج عليّ (عليه السلام) نحو العالية كان بعد هذه الأحداث كلّها.
الخاتمة:
قد بيّنا أن أصل الرواية من الناصبة ورواتها نواصب وأوردها الشيخ المفيد احتجاجا عليهم، ومع ذلك نحن لا نكذّبها لأنّها توافق أحاديثنا ولا تعارضها، وقد بيّنا أنّ خروج أمير المؤمنين (عليه السلام) كان بعد هذه الأحداث كلّها بما تفصّله أحاديثنا في مصادرنا الشيعيّة.
————————————————————–
المصدر:
1 – الأمالي – الشيخ المفيد – ص81
