بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين.
من أحاديث الإمام الصادق (صلوات الله عليه) لتلميذه المفضل بن عمر (رضوان الله تعالى عليه):«ومما ينتقده الجاحدون للعمد والتقدير الموت والفناء، فإنهم يذهبون إلى أنه ينبغي أن يكون الناس مخلدين في هذه الدنيا مبرءين من هذه الآفات، فينبغي أن يساق هذا الأمر إلى غايته فينظر ما محصوله، أفرأيت لو كان كل من دخل العالم ويدخله يبقون ولا يموت أحد منهم، ألم تكن الأرض تضيق بهم حتى تعوزهم المساكن والمزارع والمعايش، فإنهم والموت يفنيهم أولا فأولا يتنافسون في المساكن والمزارع حتى تنشب بينهم في ذلك الحروب وتسفك فيهم الدماء؟ فكيف كانت تكون حالهم لو كانوا يولدون ولا يموتون، وكان يغلب عليهم الحرص والشره وقساوة القلوب؟ فلو وثقوا بأنهم لا يموتون لما قنع الواحد منهم بشيء يناله، ولا أفرج لأحد عن شيء يسأله، ولا سلا عن شيء مما يحدث عليه، ثم كانوا يملون الحياة وكل شيء من أمور الدنيا كما قد يمل الحياة من طال عمره حتى يتمنى الموت والراحة من الدنيا، فإن قالوا إنه كان ينبغي أنه يرفع عنهم المكاره والأوصاب حتى لا يتمنوا الموت ولا يشتاقوا إليه، فقد وصفنا ما كان يخرجهم إليه من العتو والأشر الحامل لهم على ما فيه فساد الدنيا والدين. وإن قالوا إنه كان ينبغي أن لا يتوالدوا كيلا تضيق عنهم المساكن والمعايش، قيل لهم: إذا كان يحرم أكثر هذا الخلق دخول العالم والاستمتاع بنعم الله تعالى ومواهبه في الدارين جميعا إذا لم يدخل العالم إلا قرن واحد لا يتوالدون ولا يتناسلون. فإن قالوا إنه كان ينبغي أن يخلق في ذلك القرن الواحد من الناس مثل ما خلق ويخلق إلى انقضاء العالم، يقال لهم: رجع الأمر إلى ما ذكرنا من ضيق المساكن والمعايش عنهم. ثم لو كانوا لا يتوالدون ولا يتناسلون لذهب موضع الأنس بالقرابات وذوي الأرحام والانتصار بهم عند الشدائد، وموضع تربية الأولاد والسرور بهم، ففي هذا دليل على أن كلما تذهب إليه الأوهام سوى ما جرى به التدبير خطأ وسفه من الرأي والقول.»
( توحيد المفضل بن عمر – ص 202)
يُبيّن الإمام الصادق (عليه السلام) أن الموت ليس خللًا في نظام الخلق، ولا نقصًا في التدبير الإلهي، وإنما هو سنة أودعها الله في الكون لحفظ توازنه واستقامة أمره، فبه تتجدد الأجيال، وتتسع الأرض لأهلها، وتستمر أسباب الرزق والعمران، وتبقى للحياة غايتها ومعناها، كما يكشف أن ما يتوهمه بعض الناس من أن الخلود الدنيوي كمال، إنما يفضي إلى فساد المعايش، واستحكام الحرص، وذهاب الأنس بالذرية والقرابة، وانقلاب الحياة إلى مشقة لا تُطاق. فكلما تأمل الإنسان في نظام الموت والحياة ازداد يقينًا بأن ما أجراه الله تعالى من السنن إنما قام على أكمل وجوه الحكمة والرحمة، وأن العقول إذا تجردت من الأوهام أدركت أن التدبير الإلهي هو الحق الذي تنتظم به شؤون الدنيا والدين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
