توقفنا في الدرس السابق وقلنا: “لا تدركه الأوهام، ولا تنقصه الدهور، ولا تغيره الأزمان”.
”لا تنقصه الدهور”؛ كلما عاش الإنسان دهراً -مثلاً أصحاب الكهف أو الأناس الذين كانوا يعيشون في زمانهم- كل يوم يعيشونه ينقصهم الدهر يوماً، لأن لكل شخص أياماً محددة قطعية في عيشه. وهذه تدخلنا في مطالب عجيبة؛ أكرر قولي: هذه المحاضرة والتي قبلها، شيل عنها عنوان “التوحيد” وضع بدله “فلسفة بلغة الفلاسفة”، لكننا نحن نرى الفلسفة كفراً لأن مستندنا يجب أن يكون مصدراً هو الأصل، وليس قانوناً وضعه بشر.
كل إنسان له أيام محدودة لن تتقدم ولن تتأخر؛ زيدٌ من الناس قُدّر له أن يعيش تسعين سنة، لن تنقص ولن تزيد. قد يسألني سائل: نحن عندنا الصدقة تطيل العمر، وصلة الرحم تطيل العمر، وطلب العلم يطيل العمر، وعندنا أحاديث في ذلك؛ كيف أنت تقول لا تزيد ولا تنقص؟
الجواب: في علم الله عز وجل، هو يعلم أن هذا الرجل سيتصدق، أو سيقوم بفعل خير، أو سيساهم في صدقة جارية، فعلى أثره يقدر له عمره، أو “يبدي” الله (يُظهر الخفي من أمره) إذا فعل المكلف هذا الفعل أطال في عمره.
وخليني أبين لك في هذه المناسبة قداسة فعل “الأخبارية الجدد”، ضروري تعرف أخباري إني أصدق معك؛ المشرف الذي في المنتدى يخدم الموجودين هذا له صدقة جارية ما تنطفئ. لوحة واحد من الأخبارية الجدد، لوحة مكتوب فيها مثلاً “لا إله إلا الله”، قال لي شيخنا: “هذه خليها في القناة”، خليتها؛ كلما أبث أو تنزل حلقة، كل شخص يشاهد هذه اللوحة التي هي “لا إله إلا الله”، الذي وضع تلك اللوحة له عشرة أضعافها لطالما هناك بثوث تبث، ولو بقيت الحلقة بعد مئة سنة، لطالما شاهدها شخص فتلك صدقة جارية لن تنطفئ.
فأنت تصور الصدقات الجارية مرتبطة بمراتبها؛ مثلاً إدارة الجامعة تساهم في قبول طالب باستيفاء الشروط التي تنسجم مع العقيدة الدينية الصحيحة، كلما درس هذا الطالب درساً فهي صدقة جارية للإدارة. أنا لا أضحك عليك، كلها حقائق دينية وفق الحديث؛ شخص يهدي شخصاً لهذا المنهج، لطالما هذا الشخص يتعبد بهذا المنهج فذلك صدقة جارية لن تنطفئ أبداً، وهي مراتب. خلي في بالك طبيعة الصدقة الجارية تختلف باختلاف المواضيع، ليش هي صدقة طبقات؟
الذي وضع “برادة ماء” في باب داره للعطاشى له صدقة جارية وله حسنات كبيرة، وشخص جاب “تربة” وضعها في مسجد، كل شخص يسجد على هذه التربة فواضع التربة له عشر حسنات لن تنطفئ أبداً.
كل إنسان له عمر محدد يموت فيه لا ينقص ولا يزيد، وكل يوم يعبر علينا ينقصنا دهر يوماً من أعمارنا؛ أنا اليوم استيقظت ضاع من عمري يوماً، وغداً يضيع من عمري يوماً آخر، وهكذا حتى ينقصني الدهر آخر يوم من عمري.
هذه “نقصان الدهر” لا تنطبق على خالق الدهر؛ الدهر مخلوق، والدهر زمان، والله خالق الزمان. شلون تحقق الزمان؟ هذه الساعات “وضعية” كلها، هذا الوقت كله وضعي؛ الثانية والدقيقة، وقبل كانت “الدُقيّقة” -وأنا ذكرتها وهي للتعبير عن المدة القصيرة- تطورت وأصبحت اللفظة “دقيقة”. ولكن هذه التقسيمات حتى لو لم تتصادم مع الشرع هي “بدعية”؛ لأن ماكو زمان ومكان في عالم الوهم والخيال. علة عدم وجود زمان ومكان في عالم الوهم والخيال لأن ماكو موت، وماكو ينقصك الدهر؛ الروح خالدة لن تموت، العقل الروحي لن يموت. فعدم وجود الموت وعدم وجود التكليف والخلود الأبدي، بعد شيسوي بالوقت؟
