بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلِّ على وليّ امرك واجعله القائم المؤمل، والعدل المعجل وحفه بملائكتك المقربين، وأيده منك بروح القدس يا رب العالمين،
بدايةً :
الغايةُ من هذا المقالِ بيانُ الفارقِ بين حُكمِ الأنبياءِ والأئمّةِ وبين حكمِ القائم (عجّل اللهُ فرجَه الشريف) وبيانُ حقّه الذي دُحِضَ.
منذ أن خلق اللهُ المخلوقاتِ لم يحكم أحدٌ من الخلقِ بالحكمِ العادلِ الحقّ، الحكمِ الذي لا يرجعُ فيه الحاكمُ إلى شهودٍ أو يمينٍ كما هو جارٍ منذ عهد آدمَ إلى يومِنا هذا.
كلُّ الأنبياءِ والأئمّة حكموا بالحكمِ الظاهر استنادًا إلى البيّناتِ والحُجَجِ الظاهرةِ واليمين.
لم يحكمْ منهم أحدٌ بباطنِ الحقِّ والعدلِ بينَ الأمّة، وذلك لعجزِهم عن هذا الحكم.
عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: كان رسولُ الله (صلى اللهُ عليه وآله) يحكم بين الناسِ بالبيّناتِ والأيمانِ في الدعاوى، فكثرت المطالباتُ والمظالم، فقال: أيّها الناس! إنّما أنا بشر، وأنتم تختصمون، ولعلّ بعضَكم ألحَنُ بحجّتِه من بعض، وإنّما أقضي على نحوِ ما أسمعُ منه، فمن قضيتُ له من حقِّ أخيه بشيءٍ فلا يأخذنَّه، فإنّما أقطعُ له قطعةً من النار.
وسائل الشيعة (آل البيت) – الحر العاملي – ج ٢٧ – الصفحة ٢٣٣
وعجزُهم عن الحكمِ العادلِ وإعطاءِ كلِّ ذي حقٍّ حقَّه لا يعني أنّ الرسول لم يكن يعلم موضعَ الحقّ وصاحبه، إلّا أنّ هذا ما يقدِرُ عليه من الحكم، لو حكم بالحكم الواقعي لأقتضى ان يملأها قِسطًا وعدلا وهذه ليست من خصوصياته!
عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: في كتابِ عليٍّ (عليه السلام) أنّ نبيًّا من الأنبياءِ شكا إلى ربِّه القضاء، فقال: كيف أقضي بما لم ترَ عيني ولم تسمع أذني؟ فقال: اقضِ بينهم بالبيّنات، وأضفْهم إلى اسمي يحلِفون به. وقال: إنّ داود (عليه السلام) قال: يا ربّ، أرِني الحقَّ كما هو عندك حتى أقضيَ به. فقال: إنّك لا تطيق ذلك. فألحَّ على ربِّه حتى فعل. فجاءه رجل يستعدي على رجل، فقال: إنّ هذا أخذ مالي. فأوحى اللهُ عزّ وجلّ إلى داود أنّ هذا المستعدي قتل أبا هذا وأخذ مالَه، فأمر داود بالمستعدي فقتل، وأخذ مالَه فدفعه إلى المستعْدى عليه.
الكافي – الشيخ الكليني – ج ٧ – الصفحة ٤١٥
قال: فعجب الناسُ وتحدّثوا حتى بلغ داود، ودخل عليه من ذلك ما كره، فدعا ربَّه أن يرفع ذلك، ففعل.
ثم أوحى اللهُ عزّ وجلّ إليه: أن احكمْ بينهم بالبيّنات، وأضفْهم إلى اسمي يحلِفون به.
أراد النبي داود أن يحكمَ بالحقِّ وجرى له ما أراد، لكنّه لم يحتمل الأمر، فعجز عن تحمّل نتائجِ هذا الحكم،إنك لا تطيق ذلك لأنك لست صاحب هذا الأمر ولست بالذي يملأها قِسطًا وعدلا، فأمره اللهُ أن يحكمَ بالحكم الظاهر
عن الصادق (عليه السلام): أنّه يحكم بحكم داود ولا يحتاج إلى بيّنة، يُلهِمه الله فيحكم بعِلمِه، ويُخبِر كلَّ قومٍ بما استبطنوه، ويعرِف وليَّه من عدوّه بالتوسُّم.
مكيال المكارم – ميرزا محمد تقي الأصفهاني – ج ١ – الصفحة ٧٩
فإذا كان نبيُّ الله داود عاجزًا عن الحكم بالعدل، فما وجه التشابه بين حكمِه وحكمِ القائم (عجّل اللهُ فرجَه الشريف)؟
وعن إسماعيل بن جعفر قال: اختصم رجلان إلى داود النبيّ في بقرة، فجاء هذا ببيّنة على أنّها له، وجاء هذا ببيّنة على أنّها له، فدخل داود المحراب فقال: يا ربّ، قد أعْياني أن أحكم بين هذين، فكن أنت الذي تحكم.
بحار الأنوار – العلامة المجلسي – ج ١٤ – الصفحة ٨
فأوحى الله تعالى: اخرجْ، فخُذ البقرة من الذي هي في يده وادفعْها إلى الآخر، واضرِب عنقه.
قال: فضجّت بنو إسرائيل، وقالوا: جاء هذا ببيّنة، وجاء هذا ببيّنة مثل بيّنة هذا، وكان أحقَّهم بإعطائها الذي هي في يده، فأخذها منه، وضرب عنقه، وأعطاها للآخر.
فدخل داود المحراب فقال: يا ربّ، قد ضجّت بنو إسرائيل بما حكمت.
فأوحى الله تعالى إليه: إنّ الذي كانت البقرة في يده لقي أبا الآخر فقتله وأخذ البقرة منه. فإذا جاءك مثل هذا فاحكم بينهم بما ترى، ولا تسألني أن أحكم بينهم حتى الحساب.
وجه التشابه أنّ النبي داود هو فقط من أُتيح له أن يحكم بالعدل، وتبيّن عجزه حتى جرى الحكم بالظاهر إلى يومنا هذا.
وقوله جل جلاله (ولا تسألني حتى يوم الحساب) لان الحكم بالباطن مُقدَّر لصاحب الامر ولا يحق لهُ ولا حتى لرسول الله ان يحكم بينهم بالباطن، وان فعل لن يلقى غير التهلكة من نتائج هذا الحكم كما لقى نبي الله داوود
خاتمةً :
نسأل اللهَ دولةً عادلةً يحكمُ بها القائمُ العادل، ويُعطى كلُّ ذي حقٍّ حقَّه.
بحار الأنوار – العلامة المجلسي – ج ٥٢ – الصفحة ٣٣٨
روى عليّ بن عقبة، عن أبيه قال: إذا قام القائم حكم بالعدل، وارتفع في أيّامه الجَور، وأُمِنَت به السُّبل، وأخرجت الأرضُ بركاتِها، ورُدَّ كلُّ حقٍّ إلى أهلِه، ولم يبقَ أهلُ دينٍ إلا أظهروا الإسلام، ويعترفوا بالإيمان. أما سمعتَ الله سبحانه يقول:
﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُون ﴾

احسنتم