بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلِّ على محمد المصطفى، وعلي المرتضى، وفاطمة الزهراء، والحسن والحسين، وعلى الأئمة الراشدين من آل طه وياسين،
اللهُم صلِّ على نورك الأنْوَر، وعلى حبْلِك الأطوَل، وعلى عروتك الأوثق، وعلى وَجهِك الأكرم، وعلى جنبك الأوجب، وعلى بابك الأدنى، وعلى مسلك الصراط، اللهم صل على الهادين المهديّيّن، الراشدين الفاضلين، الطيبين الطاهرين، الأخيار الأبرار.
الغفلة
ان الناس في سباتٍ عميق وغفلةٍ دامسة، يَحلمُون بالاستقرار في حياةٍ كلاسيكية باهتة، لا تتجاوز سقف الطعام والشراب والعمل والزوجة والتقاعد.
فإذا نَصحته أن يرفع بصرهُ قليلًا نحو الغاية الإلهية، وأن يفتِّش في معارج الدين وأدلته، أجابك بجملةٍ كسولة: “حطها براس عالم واطلع منها سالم” !
(الكافي – ج ١ – الصفحة ٣٠)
كلمةٌ ظاهرها التّوكل وباطنها التملُّص.
وكأنَّهُم لا يَسمَعون قَول رسولِ الله (صلى الله عليه وآله): طلب العلم فريضة على كل مسلم.
الدِّين ليس مُجرَّد طقوس !
هذه النُّفوس المترهِّلة تظُن أنَّ الدين مُجرد صوم وصلاة، لا بحثَ ولا تدبّر، لا سؤالَ ولا تفكّر، فإذا حُثّوا على الغوصِ في أبسط أمور العقيدة رمَوك بالتكلف، ورموك بالمبالغة والتعمّق.
أيُعقل أن تكون حياةُ الإنسانِ كلها رهينة روتينٍ أرضيٍّ زائل، ولا يكون في قلبه الرغبة لخدمة دينه وذخيرة لآخرته؟
قال الإمام الصادق (عليه السلام):
(ميزان الحكمة – ج ٢ – الصفحة ٨٩٦)
«إن الدنيا لمفسدة الدين، ومسلبة اليقين، وإنها لرأس الفتن وأصل المحن».
حقيقةُ الدُّنيا في القرآن الكريم
جاء التأكيد في كتاب الله:
﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾.(الشورى ٣٦)
وقال تعالى:
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾.(الشورى ٢٠)
العمر قصير والآخرة باقية
فما هذه الدنيا إلا أيامٌ معدودات؛ كم لبثنا فيها من السنين؟ أهي ستّون أم سبعون أم ثمانون؟ وحتى لو بلغتها مائة عام، فهي كرمادٍ تذروه الرياح، وهي إلى فناء وزوال.
هل تستحق هذه السنوات القليلة أن نضحّي فيها بالآخرة، ثم يأتي يوم نَنْدم فيه على قلة العمل، والتَّخاذل، وتفريطنا في ما عند الله؟
وما أبلغ قول الله سبحانه:
﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.(العنكبوت ٦٤)
﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾.( الضحى ٤)
ورد عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله:
(ميزان الحكمة – ج ٢ – الصفحة ٩١٤)
«ليس منا من ترك دنياه لآخرته، ولا آخرته لدنياه»
فالميزان العادل أن يُعمّر المؤمن دنياه بما يعينه على آخرته ونصرة إمامه، دون إفراط ولا تفريط.
وصايا أمير المؤمنين (عليه السلام)
قَال أمير المؤمنين عليه السلام:
«إن أخوف ما أخاف عليكم طول الأمل واتباع الهوى؛ فأما طول الأمل فينسي الآخرة، وأما اتباع الهوى فيصد عن الحق…»
ثم ختم وصيته:
(بحار الأنوار – ج ٦٧ – الصفحة ٧٧)
«…فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل».
آخر الزمان والتمهيد للظهور
واعلموا أنَّنَا في آخر الزمان، ومن يعتقد خلاف ذلك فهو غارقٌ في بحر الغفلة.
إذا علمنا أن الساعة تقترب، وأن الظهور الموعود يلوح في الأفق، فحقٌّ علينا أن نصبّ جلّ طاقاتنا في التمهيد لدولة إمامنا المفدّى، ونشر أمره، وإحياء ذكره، وتذكير الناس بعهده.
لكن مع الأسف، بعض الاتجاهات الأصولية لا تكترث لهذا الأمر؛ حتى وصل بهم القول إلى أن الإمام قد لا يظهر إلا بعد ملايين السنين !!
الناس بين الوعي والخذلان
ومِن أعجبِ ما ترى، أنَّ كثيرًا مِنَ النَّاس إذا أردت أن توقظهم وتنصحهم، نفروا منك، وهم يعلمون أنك على الحق.
ولكنَّ الأمر ثقيل على أرواحهم، لأنَّ الدِّين الحق لا يأتي إلا ومعه التضحيات،
فيقول لك بعضهم صراحة: “أنت على حق، ولكن لا أريد أن أدخل في هذا الطريق، أريد حياةً بسيطة لا تُتعبني.” !
المؤمن ودوره في التمهيد
أما من وعى حقيقة الزمان، وأبصر بنور الإيمان، فيدرك أن كل لحظةٍ إما أن تكون تمهيدًا لظهور وليّ الله أو حسرةً تُسجَّل عليه في دفتر الغفلة.
وهنا يتجلى قول الحاكم (عليه السلام):
(الغيبة للنعماني-ج١- ص٣٢)
«اصبروا على أداء الفرائض، وصابروا عدوكم، ورابطوا إمامكم المنتظر».
الخاتمة
وخاتمة القول نداءٌ يخرج من أعماق الموالين:
“عَزيزٌ عَلَيَّ اَن اَبكِيَكَ وَيَخذُلَكَ الوَرى…”

احسنتم ،بارك الله فيكم🌹