بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلِّ على محمدٍ وآل محمد
جلستُ اليوم أتأمّل في رحمة الباري عزّ وجلّ، وفي بديع خلقه، وأنا أتدبّر قوله تعالى:
﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾.(الأعراف ١٥٦)
فما إن أرسلتُ بصري في آفاق الحياة، وتأمّلتُ نظامها الدقيق وصناعتها المحكمة، حتى ازداد يقيني بأن الله سبحانه حكيمٌ عادل، لا يخلق عبثًا ولا يقدّر إلا لحكمة ورحمة.
وأروي لكم موقفًا وقع لي قبل يومين؛ إذ كنت في طريقي إلى المدرسة، وبعد دخولي المحاضرة، وكان درسنا في الفيزياء، والجميع يعلم ما يُشاع عنها من كونها ميدانًا يتذرّع به بعضهم للإلحاد، غير أنّ من بثّ الله الإيمان في قلبه لا تزلّه شبهة علم، ولا تُسقطه دعوى زائفة؛ بل يرى بعين البصيرة أن هذا العلم نفسه، مهما ادّعى الاستغناء، إنما ينحني خاضعًا ليشهد بوجود الصانع، ويُقرّ بحكمته ورحمته.
سمعتُ أستاذ الفيزياء يقول:
إن هناك طبقة في الغلاف الجوي تُدعى طبقة الأوزون، وهي التي تحمي الأرض ومن عليها من الأشعة فوق البنفسجية، تلك الأشعة التي تُحدث الحروق في الأجساد، وتهلك الزرع، وتهدّد الحياة برمّتها.
فسبحان من جعل لكل مؤذٍ دافعًا، ولكل نقيضٍ ناقضًا، ولكل خطرٍ وقاية؛ وهذه من أعظم دلائل حكمته جلّ جلاله.
ثم أردف الأستاذ قائلاً: إن هذه الطبقة تعتمد في تكوينها أساسًا على الأوكسجين وغيره من الغازات.
فهنا وقفتُ متأمّلًا مليًّا، وقلت في نفسي: سبحان الله، ولا إله إلا الله، اللهم صلِّ على محمدٍ وآل محمد، أإلى هذا الحدّ يا ربّ وسعت رحمتك كلّ شيء؟
فاعلم رحمك الله أن الأوكسجين مصدره النبات، وأن النبات قائم في وجوده على الأرض والإنسان؛ إذ يمنح الإنسان ثنائي أوكسيد الكاربون، ويمنحه النبات الأوكسجين، في دورةٍ تبادليةٍ عجيبة، متناسقة، لا خلل فيها ولا اضطراب.
ولو قلّ النبات، لقلّ الأوكسجين، ولو قلّ الأوكسجين، ضعفت كثافة طبقة الأوزون، ومع ضعفها تقترب الأشعة القاتلة، ويقترب معها فناء الحياة على الأرض.
لكن رحمة الله سبقت كل ذلك؛ فجعل الحيوان سببًا في زراعة النبات، وجعل الإنسان مستخلفًا في عمارتها، وسخّر الماء الجاري، والرياح، وتقلب الفصول، بل وحتى فضلات الحيوان أكرمكم الله ـ سببًا في إنبات الأرض وإحيائها.
كل مخلوقٍ له دور وكل حركةٍ محسوبة وكل ذرةٍ موضوعة بميزان في نظامٍ لو اختلّ جزءٌ منه لاختلّ الكل.
أورد لكم حديث الإمام الصادق (سلام الله عليه) مع تلميذه المفضل بن عمر رضوان الله عليه تعبر عن عنواني “العوامل الفيزيائية…دلائل الرحمة الإلهية”
قال الامام الصادق عليه الصلاة والسلام:
«وأنبهك يا مفضل على الريح وفيها، ألست ترى ركودها إذا ركدت كيف يحدث الكرب، الذي يكاد أن يأتي على النفوس، ويمرض الأصحاء، وينهك المرضى، ويفسد الثمار، ويعفن البقول، ويعقب الوباء في الأبدان والآفة في الغلات.
ففي هذا بيان هبوب الريح من تدبير الحكيم في صلاح الخلق، وأنبئك عن الهواء بخلة أخرى، فإن الصوت أثر يؤثره اصطكاك الأجسام في الهواء، والهواء يؤديه إلى المسامع والناس يتكلمون في حوائجهم ومعاملاتهم طول نهارهم وبعض ليلهم ، فلو كان أثر الكلام يبقى في الهواء ، كما يبقى الكتاب في القرطاس، لامتلأ العالم منه، فكان يكربهم ويفدحهم، وكانوا يحتاجون في تجديده والاستبدال به، إلى أكثر مما يحتاج إليه في تجديد القراطيس، لأن ما يلفظ الكلام أكثر مما يكتب، فجعل الخلاق الحكيم جل قدسه الهواء قرطاسا خفيا يحمل الكلام ريثما يبلغ العالم حاجتهم، ثم يمحى فيعود جديدا نقيا، ويحمل ما حمل أبدا بلا انقطاع، وحسبك بهذا النسيم المسمى هواء عبرة، وما فيه من المصالح، فإنه حياة هذه الأبدان، والممسك لها من داخل، بما يستنشق منه من خارج بما يباشر من روحه ، وفيه تطرد هذه الأصوات فيؤدي البعد البعيد . . وهو الحامل لهذه الأرواح ينقلها موضع إلى موضع . . . ألا ترى كيف تأتيك الرائحة من حيث تهب الريح، فكذلك الصوت، وهو القابل لهذا الحر والبرد، اللذين يتعاقبان على العالم لصلاحه، ومنه هذه الريح الهابة فالريح تروح عن الأجسام.. وتزجي السحاب من موضع إلى موضع، ليعم نفعه، حتى يستكشف فيمطر، وتفضه حتى يستخف فيتفشى وتلقح الشجر، وتسير السفن، وترخى الأطعمة وتبرد الماء، وتشب النار، وتجفف الأشياء الندية، وبالجملة إنها تحيي كل ما في الأرض . . . فلولا الريح لذوي النبات ، ولمات الحيوان، وحمت الأشياء وفسدت، فكر يا مفضل فيما خلق الله عز وجل عليه الجواهر الأربعة ليتسع ما يحتاج إليه منها . . فمن ذلك سعة هذه الأرض وامتدادها ، فلولا ذلك كيف كانت تتسع لمساكن الناس ومزارعهم ومراعيهم ومنابت أخشابهم وأحطابهم والعقاقير العظيمة والمعادن الجسيم غناؤها.
ولعل من ينكر هذه الفلوات الخاوية والقفار الموحشة. فيقول: ما المنفعة فيها؟ فهي مأوى هذه الوحوش ومحالها ومراعيها ، ثم فيها بعد تنفس ، ومضطرب للناس إذا احتاجوا إلى الاستبدال بأوطانهم، فكم بيداء وكم فدفد حالت قصورا وجنانا، بانتقال الناس إليها وحلولهم فيها، ولولا سعة الأرض وفسحتها لكان الناس كمن هو في حصار ضيق لا يجد مندوحة عن وطنه إذا أحزنه أمر يضطره إلى الانتقال عنه»بحار الانوار، ج٥٧،ص٦
أفلا تتصوّر معي، وتتدبّر بعين العقل والقلب، عظيم حكمة الله، وسعة رحمته، ودقّة تدبيره؟
فسبحان الحكيم الرحيم، العظيم الكريم، الذي وسعت رحمته كلّ شيء، وأحاط علمه بكلّ شيء.
