بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد
بعد أن تحدثنا في المقالة السابقة عن نور النبي الأكرم محمد صل الله عليه وآله وسلم وعن دوره في عالم الذر ومشروع الهداية الإلهية، ننتقل إلى أحد اهم صفات النبي الأكرم ألا وهي العصمة الإلهية، فالعصمة ليست فضيلة ثانوية بل هي ركن أساسي في نجاح الرسالة الإلهية، إذ كيف للناس أن يثقوا بمن أرسل لهدايتهم إذا كان عرضة للخطأ والذنب؟ لا بل كيف يرسل الله سبحانه وتعالى نبي لهداية الناس وهو لا يستطيع أن يمسك نفسه عن الذنب أو الخطأ ولو بنسبة ضئيلة؟ فالعصمة ركن أساسي في نجاح الدعوة وبدون العصمة تحدث متتابعات كثيرة تؤدي إلى فشل الدعوة الإلهية وعدم الثقة بالنبي، ومن هنا يأتي البحث في العصمة والإجابة على السؤال الأساسي في المقالة؛ لماذا كان النبي محفوظًا من الخطأ؟
المبحث الاول: مفهوم العصمة وحقيقتها
العصمة: هي حالة إحاطة إلهية كاملة بكل دقائق الأمور، تمنع صاحبّ العصمة من اقتراف الذنوب، صغيرةً كانت أم كبيرة، تحت أي ظرف من الظروف لإحاطته الكاملة ومعرفته الإلهية بعواقب الذنوب والأخطاء مع عدم سلب اختياره بالقيام بذلك.
فالعصمة الالهية لا تكون إلا عند المعصوم، أما العصمة الجزئية قد تكون عند غير المعصوم ويطلق عليه معصوم من الذنوب الكذائية.
ورد عن الصادق (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): والإمام المستحق للإمامة له علامات: فمنها أن يعلم أنه معصوم من الذنوب كلها صغيرها وكبيرها, لا يزل في الفتيا ولا يخطئ في الجواب, ولا يسهو ولا ينسى ولا يلهو بشيء من أمر الدنيا…إلى ان يقول… العصمة من جميع الذنوب وبذلك يتميز عن المأمومين الذين هم غير معصومين, لأنه لو لم يكن معصوما لم يؤمن عليه أن يدخل فيما يدخل الناس فيه من موبقات الذنوب المهلكات والشهوات واللذات, ولو دخل في هذه الأشياء لاحتاج إلى من يقيم عليه الحدود, فيكون حينئذ إماما مأموما ولا يجوز أن يكون إمام بهذه الصفة.
(بحار الأنوار – ج 25 – ص 164)
ما هو الفرق بين العصمة والجبر؟
أن من لديه العصمة ليس مجبورًا على عدم أرتكاب الذنب بمعنى إنه لا يسلب خياره إذا قرر أرتكاب الذنب ولكن إحاطته منعته.
عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «إن الله عزَّ وجلَّ اختار من وُلْد آدم أناساً طهَّر ميلادهم، وطيَّب أبدانهم، وحفظهم في أصلاب الرجال وأرحام النساء، أخرج منهم الأنبياء والرُّسُل، فهم أزكى فروع آدم. فعل ذلك لا لأمر استحقّوه من الله عزَّ وجلَّ، ولكنْ عَلِمَ الله منهم حين ذرأهم أنهم يطيعونه ويعبدونه، ولا يشركون به شيئاً، فهؤلاء بالطاعة نالوا من الله الكرامة والمنزلة الرفيعة عنده»
(الاحتجاج – ج 2 – ص 83)
المبحث الثاني: وجوب العصمة في المبلغ عن الله سبحانه وتعالى
اولا: الحفظ في تبليغ الرسالة
لو جاز الخطأ في تبليغ الرسالة من قبل المبلغ عن الله لبطل الثواب والعقاب لغياب الحكمة الإلهية من بعثة الأنبياء والرسل بكون المخطئ مصيب حتى لو أخطأ.
فلذلك وجب على من يكون مبلغًا عن الله أن تكون لديه العصمة والحفظ المطلق من الخطأ، فحاشى لله سبحانه وتعالى أن يكون غير حكيما.
فعندما ارسل الله النبي والمعصومين فرض على الناس كافة طاعتهم وقرن تلك الطاعة بطاعته فلزم من ذلك ان يكون المبلغ محفوظًا معصومًا وحاشى لله سبحانه وتعالى أن يضلهم من حيث يهديهم.
فسد بذلك الأبواب على أن يأتي مدعي ويقول إن المعصوم اجتهد فاجتهد الناس.
وفي إثبات ذلك يثبت كفر القائلين بالاجتهاد وصار الاجتهاد بمثابة الشرك بالله سبحانه وتعالى.
ورد عن الإمام الرضا (عليه السلام) في رسالته للمأمون: لا يفرض الله تعالى طاعة من يعلم أنه يضلهم ويغويهم, ولا يختار لرسالته ولا يصطفي من عباده من يعلم أنه يكفر به وبعبادته ويعبد الشيطان دونه.
(عيون اخبار الرضا – ج 1 – ص 133)
و ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام): إنما الطاعة لله ولرسوله ولولاة الأمر الذين قرنهم الله بنفسه ونبيه فقال: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} لأن الله إنما أمر بطاعة رسول الله (ص) لأنه معصوم مطهر لا يأمر بمعصية الله، وإنما أمر بطاعة أولي الأمر لأنهم معصومون مطهرون لا يأمرون بمعصية الله.
(علل الشرائع – ج 1 – ص 123)
ثانيًا: العصمة في السلوك والأفعال
لم تقتصر العصمة على التبليغ فقط، بل أدت إلى معاني أشمل منها العصمة في السلوك والأفعال، فالمعصوم هو القدوة التي يقتدي بها الناس، فالناس لا تقتدي بالأقوال فقط بل بالسلوك والأفعال ايضا وخصوصا شخصية النبي وهي شخصية القائد الذي قاد الأمة، فلو صدر من النبي الأكرم خطأ في السلوك والأفعال لتضطرب مفهوم القدوة ولكان النبي يأمر بما لا يفعل وهذا نفاق وحاشى للنبي ويجل من هذه الصفة.
المبحث الثالث: دلائل عصمة النبي منذ طفولته
الرعاية الإلهية الخاصة،
أن النبي الأعظم صل الله عليه وآله وسلم أول ما ولد وهو يحرك شفتيه بالتوحيد مبرءًا من عبادة تصنام الجاهلية وعادات العرب الجاهلية القديمة معصوما من الذنب والخطأ، نائلاً رعاية خاصة من عمه أبي طالب عليهما السلام، والمعلوم أن أبي طالب مؤمن منذ ولادته.
ورد عن آمنة بنت أبي سعيد السهمي قالت: امتنع أبو طالب من اتيان اللات والعزى بعد رجوعه من الشام في المرة الاولى, حتى وقع بينه وبين قريش كلام كثير, فقال لهم أبو طالب: إنه لا يمكنني أن أفارق هذا الغلام ولا مخالفته, وإنه يأبى أن يصير إليهما, ولا يقدر أن يسمع بذكرهما, ويكره أن آتيهما أنا, قالوا: فلا تدعه وأدبه حتى يفعل ويعتاد عبادتهما, فقال أبو طالب: هيهات! ما أظنكم تجدونه ولا ترونه يفعل أبدا! قالوا: ولم ذاك؟ قال: لأني سمعت بالشام جميع الرهبان يقولون: هلاك الاصنام على يد هذا الغلام, قالوا: فهل رأيت يا أبا طالب منه شيئا غير هذا الذي تحكيه عن الرهبان, فإنه غير كائن أبدا أو نهلك جميعا, قال: نعم, نزلنا تحت شجرة يابسة فاخضرت وأثمرت فلما ارتحلنا وسرنا نثرت على رأسه جميع ثمرها ونطقت, فما رأيت شجرة قط تنطق قبلها, وهي تقول: يا أطيب الناس فرعا, وأزكاهم عودا امسح بيديك المباركتين علي لأبقى خضرا إلى يوم القيامة, قال: فمسح يده عليها, فازدادت الضعف نورا وخضرة, فلما رجعنا للانصراف ومررنا عليها ونزلنا تحتها فإذا لكل طير على ظهر الارض له فيها عش وفرخ ولها بعدد كل صنف من الطير أغصان كأعظم الاشجار على ظهور الارضين, قال: فما بقى طير إلا استقبله يمد جناحه على رأسه, قال: فسمعت صوتا من فوقها وهي تقول: ببركتك يا سيد النبيين والمرسلين قد صارت هذه الشجرة لنا مأوى, فهذا ما رأيت, فضحكت قريش في وجهه وهم يقولون: أترى يطمع أبو طالب أن يكون ابن أخيه ملك هذا الزمان.
(العدد القوية – ص 131)
عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنا دعوة أبي إبراهيم.
(الامالي للطوسي – ص 378)
فقلنا: يا رسول الله، وكيف صرت دعوة أبيك إبراهيم؟ قال: أوحى الله (عز وجل) إلى إبراهيم أني جاعلك للناس إماما؟ فاستخف إبراهيم الفرح، فقال: يا رب، ومن ذريتي أئمة مثلي؟ فأوحى الله (عز وجل) إليه: أن يا إبراهيم، إني لا أعطيك عهدا لا أفي لك به. قال: يا رب، ما العهد الذي لا تفي لي به؟ قال: لا أعطيك لظالم من ذريتك. قال: يا رب، ومن الظالم من ولدي الذي لا ينال عهدك؟ قال: من سجد لصنم من دوني لا أجعله إماما أبدا، ولا يصح أن يكون إماما. قال إبراهيم: واجنبني وبني أن نعبد الأصنام، رب إنهن أضللن كثيرا من الناس. قال النبي (صلى الله عليه وآله): فانتهت الدعوة إلي وإلى أخي علي لم يسجد أحد منا لصنم قط، فاتخذني الله نبيا، وعليا وصيا.
المبحث الرابع: الحكمة الإلهية من العصمة
اولاً: النبي قدوة كاملة للبشر
من الحكم الإلهية من العصمة هو كون النبي الأعظم قدوة يقتدي بها الجميع ولضرورة وجود إنسان متكامل يكون المثل الأعلى للجميع وقد أثر هذا في نجاح عملية الهداية الإلهية إذ أن النبي منذ قبل البعثة وهو يعرف بصفاته الحسنة كالصدق والأمانة وحسن الخلق.
ثانيًا: حفظ الدين من الانحراف
ايضا من الحكم الإلهية من العصمة هو حفظ الدين من الانحراف، فهنالك علاقة لا يمكن أن تنفك بين عصمة النبي والشريعة وارتبطت العصمة ارتباط وثيقا باستمرار مشروع الهداية الإلهية، إذ ان الأئمة المعصومين عليهم السلام حملو الدين وحافظوا عليه من الانحراف والخطأ فبقى الدين مصونا كاملا عند أهل البيت عليهم السلام.
المبحث الخامس: شبهات و جوابها
اولاً: هل العصمة تعني أن النبي ليس بشر؟
والجواب كلا، العصمة لا تنافي البشرية بل إن العصمة هي المثال الأفضل لتكامل البشر، إذ إن المعصومين هم بشر كاملين.
ثانيًا: لماذا لا يكون النبي صالحًا فقط دون عصمة؟
والجواب على هذا، العصمة ركن اساسي من أركان النبوة وإذا كان النبي دون عصمة انتفت النبوة فكيف يكون من يؤدي عن الله يمكن أن يخطئ؟ إذا أخطأ فقد أضل الناس وهو الناطق بأسم الله، ولو لم يكن النبي معصوما فكيف يمكن أن يثق الناس بأن ما يبلغه عن الله حق لا خطأ فيه؟
ثالثًا: هل ما أصاب النبي من بلاءات هي بسبب ذنوبه؟ ولماذا يؤمر النبي بالاستغفار اذا كان معصوما؟
والجواب كلا، ليس بسبب الذنوب بل إن الله يبتليهم ليؤجرهم ولأنهم خلقوا للآخرة لا للدنيا، وإن رسول الله كان يستغفر الله من غير ذنب.
فقد ورد عن علي بن رئاب قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل {وما أصابكم من مصيبة} إلخ, قال: أرأيت ما أصاب عليا وأهل بيته (عليهم السلام), هو بما كسبت أيديهم وهم أهل الطهارة معصومون؟ قال: إن رسول الله كان يتوب إلى الله ويستغفره في كل يوم وليلة مئة مرة من غير ذنب, إن الله يخص أولياءه بالمصائب ليأجرهم عليها من غير ذنب.
(الكافي – ج 2 – ص 450)
رابعًا: ما معنى قوله تعالى ليغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟
والجواب في هذه الرواية، عن عمر بن يزيد بيَّاع السابري، قال: (قلتُ لأبي عبد الله (عليه السلام) قول الله في كتابه ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: 2]، قال: ما كان له من ذنبٍ، ولا همَّ بذنب، ولكنَّ الله حمَّله ذنوب شيعته ثمَّ غفرها له.
(البرهان – ج 4 – ص 145)
خاتمة:
بعد استعراض مفهوم العصمة وحقيقتها وبيان ضرورتها، يتضح أن العصمة ركن اساسي من أركان صفات النبوة، فكما أن الحكمة الإلهية أقتضت إرسال الأنبياء كذلك أقتضت أن يكون الأنبياء معصومون من الزلل والخطأ لكي تكون رسالته لا تشوبها شائبة وغير معرضة للخطأ أبدا ولا يستطيع على ردها أي كان.
كما تبين أن النبي الأكرم كان موضع العناية الإلهية منذ ولادته، إذ ولد مؤمنا بالله العلي العظيم ولم يعبد صنما أبدا، وحظى بعناية من عمه أبي طالب المؤمن وتربى على حسن الخلق والصدق والامانة والصفات الحسنة، تربيةٌ إلهية.
وعليه فإن الإيمان بعصمة النبي ليس أمر ثانويًا في العقيدة بل هو من لوازم الإيمان بالنبوة نفسها، إذ كيف تكون الحجة تامة وتستقيم الهداية الإلهية على الخلق اذا لم يكن معصومًا؟
وفي المقالة القادمة سوف ننتقل إلى جانب آخر من شخصية النبي الأكرم صل الله عليه وآله وسلم لنواصل التعرف على من أرسل رحمة للعالمين والحمد لله رب العالمين.
