العصمة النبوية: لماذا كان النبي محفوظًا من الخطأ؟

يوليو 6, 2026

بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد

بعد أن تحدثنا في المقالة السابقة عن نور النبي الأكرم محمد صل الله عليه وآله وسلم وعن دوره في عالم الذر ومشروع الهداية الإلهية، ننتقل إلى أحد اهم صفات النبي الأكرم ألا وهي العصمة الإلهية، فالعصمة ليست فضيلة ثانوية بل هي ركن أساسي في نجاح الرسالة الإلهية، إذ كيف للناس أن يثقوا بمن أرسل لهدايتهم إذا كان عرضة للخطأ والذنب؟ لا بل كيف يرسل الله سبحانه وتعالى نبي لهداية الناس وهو لا يستطيع أن يمسك نفسه عن الذنب أو الخطأ ولو بنسبة ضئيلة؟ فالعصمة ركن أساسي في نجاح الدعوة وبدون العصمة تحدث متتابعات كثيرة تؤدي إلى فشل الدعوة الإلهية وعدم الثقة بالنبي، ومن هنا يأتي البحث في العصمة والإجابة على السؤال الأساسي في المقالة؛ لماذا كان النبي محفوظًا من الخطأ؟

المبحث الاول: مفهوم العصمة وحقيقتها 

العصمة: هي حالة إحاطة إلهية كاملة بكل دقائق الأمور، تمنع صاحبّ العصمة من اقتراف الذنوب، صغيرةً كانت أم كبيرة، تحت أي ظرف من الظروف لإحاطته الكاملة ومعرفته الإلهية بعواقب الذنوب والأخطاء مع عدم سلب اختياره بالقيام بذلك.
فالعصمة الالهية لا تكون إلا عند المعصوم، أما العصمة الجزئية قد تكون عند غير المعصوم ويطلق عليه معصوم من الذنوب الكذائية.

(بحار الأنوار – ج 25 – ص 164)

ما هو الفرق بين العصمة والجبر؟

أن من لديه العصمة ليس مجبورًا على عدم أرتكاب الذنب بمعنى إنه لا يسلب خياره إذا قرر أرتكاب الذنب ولكن إحاطته منعته.

(الاحتجاج – ج 2 – ص 83)

المبحث الثاني: وجوب العصمة في المبلغ عن الله سبحانه وتعالى

اولا: الحفظ في تبليغ الرسالة

لو جاز الخطأ في تبليغ الرسالة من قبل المبلغ عن الله لبطل الثواب والعقاب لغياب الحكمة الإلهية من بعثة الأنبياء والرسل بكون المخطئ مصيب حتى لو أخطأ.
فلذلك وجب على من يكون مبلغًا عن الله أن تكون لديه العصمة والحفظ المطلق من الخطأ، فحاشى لله سبحانه وتعالى أن يكون غير حكيما.
فعندما ارسل الله النبي والمعصومين فرض على الناس كافة طاعتهم وقرن تلك الطاعة بطاعته فلزم من ذلك ان يكون المبلغ محفوظًا معصومًا وحاشى لله سبحانه وتعالى أن يضلهم من حيث يهديهم.
فسد بذلك الأبواب على أن يأتي مدعي ويقول إن المعصوم اجتهد فاجتهد الناس.
وفي إثبات ذلك يثبت كفر القائلين بالاجتهاد وصار الاجتهاد بمثابة الشرك بالله سبحانه وتعالى.

ثانيًا: العصمة في السلوك والأفعال

لم تقتصر العصمة على التبليغ فقط، بل أدت إلى معاني أشمل منها العصمة في السلوك والأفعال، فالمعصوم هو القدوة التي يقتدي بها الناس، فالناس لا تقتدي بالأقوال فقط بل بالسلوك والأفعال ايضا وخصوصا شخصية النبي وهي شخصية القائد الذي قاد الأمة، فلو صدر من النبي الأكرم خطأ في السلوك والأفعال لتضطرب مفهوم القدوة ولكان النبي يأمر بما لا يفعل وهذا نفاق وحاشى للنبي ويجل من هذه الصفة.

المبحث الثالث: دلائل عصمة النبي منذ طفولته

الرعاية الإلهية الخاصة،
أن النبي الأعظم صل الله عليه وآله وسلم أول ما ولد وهو يحرك شفتيه بالتوحيد مبرءًا من عبادة تصنام الجاهلية وعادات العرب الجاهلية القديمة معصوما من الذنب والخطأ، نائلاً رعاية خاصة من عمه أبي طالب عليهما السلام، والمعلوم أن أبي طالب مؤمن منذ ولادته.

المبحث الرابع: الحكمة الإلهية من العصمة

اولاً: النبي قدوة كاملة للبشر

من الحكم الإلهية من العصمة هو كون النبي الأعظم قدوة يقتدي بها الجميع ولضرورة وجود إنسان متكامل يكون المثل الأعلى للجميع وقد أثر هذا في نجاح عملية الهداية الإلهية إذ أن النبي منذ قبل البعثة وهو يعرف بصفاته الحسنة كالصدق والأمانة وحسن الخلق.

ثانيًا: حفظ الدين من الانحراف

ايضا من الحكم الإلهية من العصمة هو حفظ الدين من الانحراف، فهنالك علاقة لا يمكن أن تنفك بين عصمة النبي والشريعة وارتبطت العصمة ارتباط وثيقا باستمرار مشروع الهداية الإلهية، إذ ان الأئمة المعصومين عليهم السلام حملو الدين وحافظوا عليه من الانحراف والخطأ فبقى الدين مصونا كاملا عند أهل البيت عليهم السلام.

المبحث الخامس: شبهات و جوابها

اولاً: هل العصمة تعني أن النبي ليس بشر؟

والجواب كلا، العصمة لا تنافي البشرية بل إن العصمة هي المثال الأفضل لتكامل البشر، إذ إن المعصومين هم بشر كاملين.

ثانيًا: لماذا لا يكون النبي صالحًا فقط دون عصمة؟

والجواب على هذا، العصمة ركن اساسي من أركان النبوة وإذا كان النبي دون عصمة انتفت النبوة فكيف يكون من يؤدي عن الله يمكن أن يخطئ؟ إذا أخطأ فقد أضل الناس وهو الناطق بأسم الله، ولو لم يكن النبي معصوما فكيف يمكن أن يثق الناس بأن ما يبلغه عن الله حق لا خطأ فيه؟

ثالثًا: هل ما أصاب النبي من بلاءات هي بسبب ذنوبه؟ ولماذا يؤمر النبي بالاستغفار اذا كان معصوما؟

والجواب كلا، ليس بسبب الذنوب بل إن الله يبتليهم ليؤجرهم ولأنهم خلقوا للآخرة لا للدنيا، وإن رسول الله كان يستغفر الله من غير ذنب.

(الكافي – ج 2 – ص 450)

رابعًا: ما معنى قوله تعالى ليغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟

خاتمة:

بعد استعراض مفهوم العصمة وحقيقتها وبيان ضرورتها، يتضح أن العصمة ركن اساسي من أركان صفات النبوة، فكما أن الحكمة الإلهية أقتضت إرسال الأنبياء كذلك أقتضت أن يكون الأنبياء معصومون من الزلل والخطأ لكي تكون رسالته لا تشوبها شائبة وغير معرضة للخطأ أبدا ولا يستطيع على ردها أي كان.

كما تبين أن النبي الأكرم كان موضع العناية الإلهية منذ ولادته، إذ ولد مؤمنا بالله العلي العظيم ولم يعبد صنما أبدا، وحظى بعناية من عمه أبي طالب المؤمن وتربى على حسن الخلق والصدق والامانة والصفات الحسنة، تربيةٌ إلهية.

وعليه فإن الإيمان بعصمة النبي ليس أمر ثانويًا في العقيدة بل هو من لوازم الإيمان بالنبوة نفسها، إذ كيف تكون الحجة تامة وتستقيم الهداية الإلهية على الخلق اذا لم يكن معصومًا؟

وفي المقالة القادمة سوف ننتقل إلى جانب آخر من شخصية النبي الأكرم صل الله عليه وآله وسلم لنواصل التعرف على من أرسل رحمة للعالمين والحمد لله رب العالمين.

اترك تعليقاً