في موقف يثير الدهشة ويكشف عمق الانحراف في فهم التاريخ العلمي، يستند بعض الأصوليين إلى ما ورد في كتاب الاجتهاد والتقليد للسيد السيستاني، ص ٢٤٨ ليقرّروا أن عوامّ الناس في عصر الأئمة كانوا يقلّدون علماءهم، وكأنّ ذلك يصلح ليكون جسرًا لشرعنة التقليد المتأخر في زمن غيبة الإمام.
وقد جاء في كلامه: «لا إشكال في أن عوامّ العامة كانوا يقلّدون علماءهم في عصر الأئمة (ع)، والأئمة (ع) لم يعترضوا عليهم في ذلك، بل كان اعتراضهم عليهم من جهات أخرى.
إنّ هذا الادّعاء لا يعبّر إلا عن اضطراب فكري ورغبة يائسة بجرّ الشرعية التاريخية إلى منظومة فقهية وُلدت بعد الغيبة الكبرى بقرون.
وكيف يُعقل أن يكون هناك “تقليد” لشخص غير معصوم، والإمام المعصوم يعلّم ويرشد ويُصوّب ويُبطل آراء المخالفين أمام أصحابه؟!
إنّ تصوير رجوع العوام إلى الرواة الثقات باعتباره “تقليدًا” هو تزوير ناعم يخلط بين نقل النصّ وبين اتّباع الرأي، وبين الراوي الذي يقول: «قال الصادق»، وبين المجتهد الذي يقول: «أرى وأستنبط وأرجّح».
ومن العجيب أن يُطلق على زمنٍ كان المعصوم فيه حاضرًا ومتكلّمًا أنّه زمن “تقليد”!
وهذا لا يعني إلاّ شيئًا واحدًا:
الفقه الأصولي يحتاج لتبرير وجوده حتى لو بإعادة كتابة التاريخ.
ويبقى السؤال الحارق: هل صار عصر النصّ — الذي كان الناس فيه يسمعون حكم الإمام مباشرة — زمنًا لتقليد غير المعصوم؟!
