بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على محمد وآل بيته الطيبين الطاهرين.
أما بعد.. فإنّ من المباحث التي كثر فيها اللّبس، واتُّخذت مَطعناً من قِبل المشككين، هي مسألة “السهو” لرسول الله وأهل بيته الطاهرين عليهم أجمعين السلام.
فقد سعت الفئات الناصبة بكل ما أوتيت من أدوات وتأويلات إلى التشنيع على عقيدة العصمة المطلقة، متخذين من ظواهر الأخبار المتعلقة بالسهو ذريعةً لإنكار هذا المقام الإلهي الرفيع.
ونتيجة لعمي البصيرة لدى مدعي الإسلام وضعفهم أمام أساتذتهم الناصبة، بعضهم قالوا بتضعيف الاحاديث ونكرانها بينما جنح آخرون إلى حمل تلك الأخبار على محمل التقية دون تمحيصٍ لجوهر المراد.
ولمّا شرفنا الله بأن نكون من حَمَلة راية هذا الدين، والقائمين بالحجة على العالمين، أضع بين أيديكم هذا البيان الجليّ لكشف اللثام عن حقيقة سهوهم صلوات الله عليهم، وتوضيح الفرق الشاسع بين سهو الغفلة البشري وبين سهوهم وما تقتضيه الحكمة الإلهية في مقاماتهم القدسية..
حين بعث الله الرسول والائمة عليهم السلام من بعده بعثهم مكلفين برسالة، معصومون مكرمون ولا يُعقل ان يبعثم يسهون ويزلون وهم مبعوثون لبيان الدين واصلاح الناس ونشر العلم
[موضع الشاهد]
عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه أنه قال في بيان صفات الامام: «فمنها أن يعلم الامام المتولي عليه أنه معصوم من الذنوب كلها صغيرها وكبيرها لا يزل في الفتيا ولا يخطئ في الجواب ولا يسهو ولا ينسى ولا يلهو بشئ من أمر الدنيا» .
(بحار الأنوار ج ٤٥، ص ۳۸۷)
فما معنى سهو النبي والائمة؟ هل يقع في نفس النبي السهو والغفلة؟
سهو رسول الله:
قال أبو عبد الله (عليه السلام): «من حفظ سهوه فأتمه فليس عليه سجدتا السهو، فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله صلى بالناس الظهر ركعتين ثم سها فسلم، فقال له ذو الشمالين: يا رسول الله أنزل في الصلاة شئ؟ فقال: وما ذلك؟ فقال: إنما صليت ركعتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أتقولون مثل قوله؟ قالوا: نعم، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله فأتم بهم الصلاة وسجد بهم سجدتي السهو..»
(الكافي المقدس ج ٣، ص ٣٥٥)
تُبين هذه الرواية أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) صلّى بالناس صلاة الظهر ركعتين سهوا منه ونبههُ صاحب اليمين حتى أتم صلاته، فأذا كان مؤيداً بروح القدس ولا تنفك عنه ومن صفات إمامته [كما قال أمير المؤمنين أعلاه أنه لا يسهو ولا ينسى] فما هذا السهو الذي وقع عليهم؟
بيان السهو:
بيان هذا السهو لعلل، ليست جزءا وصفة في نفس الرسول والامام، الرسول أو الإمام بطبيعتهِ لا يسهو ولا يلهو مؤيداً بروح من عنده تعالى، فيقع السهو لبيان قدرة الله فوق نفس الإمام في بنيته الأولى
وأما العلل التي يقع من أجلها السهو
تأتي أحياناً لبيان معجزة الإمام ومقام الإمام مثل ما حصل مع أمير المؤمنين عند رجوع الشمس، فسهى صلى الله عليه وآله حينها عن صلاته وأبان بعدها معاجزة للتعليم.
أستقطع موضع الشاهد
سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «صلَّى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم سلَّم في ركعتين، فسأله من خلفه يا رسول الله(صلى الله عليه وآله)أ أحدثَ في الصلاة شيئ ؟! قال: وما ذاك؟ قالوا: إنما صليت ركعتين، فقال: أكذلك يا ذا اليدين؟ وكان يدعى ذا الشمالين، فقال: نعم: فبنى على صلاته فأتم الصلاة أربعا، وقال: إن الله هو الذي أنساه رحمة للأمة، ألا ترى لو أن رجلا صنع هذا لعيّر، وقيل: ما تقبل صلاتك، فمن دخل عليه اليوم ذاك قال: قد سن رسول الله(صلى الله عليه وآله)وصارت أسوة، وسجد سجدتين لمكان الكلام».
(تفسير کنز الدقائق وبحر الغرائب ج ۱۰، ص ۳٥٠)
عن سعيد الأعرج قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: «نام رسول الله صلى الله عليه وآله عن الصبح والله عز وجل أنامه حتى طلعت الشمس عليه ، وكان ذلك رحمة من ربك للناس ، ألا ترى لو أن رجلا نام حتى طلعت الشمس لعيره الناس وقالوا : لا تتورع لصلاتك ، فصارت اسوة وسنة ، فإن قال رجل لرجل : نمت عن الصلاة ، قال : قد نام رسول الله صلى الله عليه وآله ، فصارت اسوة و رحمة ، رحم الله سبحانه بها هذه الامة».
(الكافي المقدس ج٣، ص٢٩٤)
وهذه الرواية تبين أن الله أنامه، بقدرته وأوقع المعصوم بالسهو ليس امرًا من نفس المعصوم وصفته، والمعصوم معصومٌ من السهو إلا أن السهو يقع بقدرة الله عز وجل ليست من طبيعة خلقته كمثلنا.
أكتفي بهذه الروايتين لأختم وأبين أن السهو يقع في مواضع كثيرة رحمة للامة وتعليمًا لهم ولبيان قدرة الله ووحدانيته فهو الخالق العظيم فوق قدرة نفس الرسول والمعصوم
وهذا الموضوع أخذه الكثير من الناصبة لتشويه العصمة وعجز الاصوليين عن فهم جوهر السهو، لو فهموا ووعوا ذلك لكسروا أنف الناصبة أن حتى في سهوهم رحمة! فسبحان الله عما ينكرون!
وأستغفر الله لي ولكم وصلى الله على سيدنا محمد وآل بيته الطيبين الطاهرين.
