بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد
على مر القرون السالفة عندما كان يُطرح موضوع إثبات الخالق كان يلجئ الأصوليون لإثبات الخالق للعلوم الوضعية مثل الفلسفة و علم الكلام و المنطق متجاهلين حديث الآل الأطهار و آيات القرآن الكريم التي فيها من الأحاديث والآيات ما يُعجِزُ المُلحِدَ عن الصمود أمامها و أطاع الأصولية الله من حيث يعصى
فقد ورد في الخبر عن العسكري عليه الصلاة و السلام أنه قال لأبي هاشم الجعفري:
يا أبا هاشم، سيأتي زمان على الناس…إلى أن قال علماؤهم شرار خلق الله على وجه الأرض، لأنهم يميلون إلى الفلسفة والتصوف، وأيم الله إنهم من أهل العدول والتحرف، يبالغون في حب مخالفينا، ويُضلون شيعتنا وموالينا، إن نالوا منصبًا لم يشبعوا عن الرشاء، وإن خذوا عبدوا الله على الرياء، ألا إنهم قطاع طريق المؤمنين، والدعاة إلى نحلة الملحدين.مستدرك الوسائل – الميرزا النوري – ج ١١ – الصفحة ٣٨٠
هاهم علماء آخر الزمان، أنظروا للأصولية مدعي التشيع، فهم إما يناظرون بالفلسفة او بعلم الكلام أو المنطق وتدور مناظراتهم ساعات وساعات ولم ولن يخرجوا بنتيجة مُجدية بل أنهم يدعون الناس إلى الإلحاد من حيث لا يشعرون! لأنهم أمام الملحدين كالبعوضة يسحقها الملحد بأصبعه!! لا بل أدخلوا الفلسفة وعلم الكلام والمنطق في منهجهم الدراسي في الحوزرات وإذا كان الفقيه يدرس هذه العلوم الوضعية فهو من أفقه فقهاء عصره!! إذ تُدرس الفلسفة وعلم الكلام والمنطق في الحوزات الاصولية كمادة منهجية معتمدة!!
هنا يرد سؤال في المقام، أنتم كيف تثبتون الخالق بعلمٍ وضعي علمٌ وضعه أناس غير معصومين؟!
علمٌ غير مطوق بطوق العصمة وقواعده قواعد وضعها البشر؟! هل كان آل محمد يستخدمون الفلسفة وعلم الكلام والمنطق في مناظراتهم لإثبات الله؟ هل دين الله ناقص ليجعلكم تلجئوا لهذه العلوم لإثبات وجود الله؟
علماء الأصولية شرار خلق الله لأنهم يميلون لمثل هذه العلوم الوضعية، يحاولون طاعة الله من علمٍ وضعيٍ بوضع إنسان عادي وضع قواعد و مضوا عليها تاركين حديث العترة الطاهرة وآيات القرآن الكريم!!
والعجب الأعجب أنهم يحاولون إثبات وجود الخالق والذي هو الله في حين أن هذا عنوان ثاني، فالعنوان الأول هو البحث عن وجود صانع لا البحث عن هوية الصانع!!
لعمري أن العنوان الأول والثاني هما مستخرجان من الحديث وليس من إجتهاد ناصبيٍ قذر
أبتدئ مقالتي لإثبات وجود الخالق بحديث العترة الطاهرة و أمضي كأخباري جديد وفق قاعدة مهمة:
أناقش الملحد بالمضمون الذي في الحديث لا في الحديث نفسه لأنه لا يؤمن بالحديث
العنوان الأول: إثبات وجود صانع
روي عن هشام بن الحكم أنه قال: كان من سؤال الزنديق الذي أتى أبا عبد الله عليه الصلاة و السلام قال: ما الدليل على صانع العالم؟ فقال أبو عبد الله عليه الصلاة و السلام: وجود الأفاعيل التي دلت على أن صانعها صنعها، ألا ترى أنك إذا نظرت إلى بناء مشيد مبني علمت أن له بانيًا وإن كنت لم تر الباني ولم تشاهده
تفسير البرهان – ج٣ – ص٧٥٤
الدليل على وجود صانع للعالم هو المصنوع، فالأفاعيل دلت على وجود صانع لها صنعها و إلا كيف أتت ومن أين أتت؟ الفطرة البشرية مجبلة على الإقرار بوجود صانع لها وهي علة تسمية الملحدين بالجحود وإلا أنت ماذا تسمي نفسك؟ مصنوع؟ إذًا من صنعك؟ ماذا تسمي نفسك؟ غير مصنوع؟ إذا لم تكن مصنوعًا فكيف أتيت؟ فلابد من الإقرار بوجود صانعٍ صنع هذا العالم إذ أن ما تراه في حياتك تقول أن له صانع سواء كان معقد التركيب أم سهل التركيب فتنظر للبناء المشيد وتعلم أن له باني ولكنك لم ترى الباني ولم تشاهده فكيف تقول بأن لكل شيء صانع وترفض وجود صانع صنع هذا العالم ونظمه على ما هو عليه؟!
العنوان الثاني: إثبات هوية الصانع وهو الله
بعد أن ثبّتنا قاعدة أن لكل مصنوع صانع ننتقل إلى العنوان الثاني الذي بعده وهو إثبات هوية الصانع وهو الله
التدبير والحكمة هي من صفات الله سبحانه وتعالى، فخلق هذا العالم على ما هو عليه من الحكمة والتدبير التي تدل على وجود صانع له وهو الله سبحانه وتعالى.
قال المفضل سلام الله عليه: فقلت: يا مولاي، إن قومًا يزعمون أن هذا من فعل الطبيعة، فقال الصادق عليه الصلاة و السلام: “سلهم عن هذه الطبيعة، أهي شيء له علم وقدرة على مثل هذه الأفعال أم ليست كذلك؟ فإن أوجبوا لها العلم والقدرة، فما يمنعهم من إثبات الخالق؟ فإن هذه صنعته، وإن زعموا أنها تفعل هذه الأفعال بغير علم ولا عمد، وكان في أفعالها ما قد تراه من الصواب والحكمة، علم أن هذا الفعل للخالق الحكيم. فإن الذي سموه طبيعة هو سنته في خلقه الجارية على ما أجراها عليه
توحيد المفضل – ص٥٥
ومن حديث آخر له عليه الصلاة و السلام: فإن كان الإهمال يأتي بمثل هذا التدبير، فقد يجب أن يكون العمد والتقدير يأتيان بالخطإ والمحال، لأنهما ضد الإهمال. وهذا فظيع من القول وجهل من قائله، لأن الإهمال لا يأتي بالصواب، والتضاد لا يأتي بالنظام. تعالى الله عما يقول الملحدون علوا كبيرا
توحيد المفضل – ص٥٠
فالحكمة والتدبير تدل على أن الصانع هو الله.
عن أبي عبد الله (ع) في حديث طويل: والعجب من مخلوق, يزعم أن الله يخفى على عباده وهو يرى أثر الصنع في نفسه, بتركيب يبهر عقله وتأليف يبطل حجته.
بحار الأنوار المقدس -ج ٣ – ص ١٥٣
من هذا الحديث الشريف نستخرج هذه القاعدة المقدسة التي سنمضي عليها لإثبات وجود الله:بمقدار عجزك عن رؤية الله بمقداره أنت تراه بخلقه
عن الحاكم عليه الصلاة و السلام: بصنع الله يستدل عليه
تفسير البرهان – ج٥ -ص١٦٨
هذا المقدار في عجزك عن رؤية الله بمقداره أنتَ ترى الله وتستدل عليه، بخلق الله يُستدل على وجود الله، والأمثلة على وجود الله كثيرة فلو تتدبر في خلق الله تثبت وجود الله، لو تدبرت في عظيم خلق الله تثبت وجود الله، وفي دقة ما خلقه الله تثبت وجود الله، فآثار خلقة الله دالة على الله
عنه عليه الصلاة و السلام: أول العبر والأدلة على الباري جل قدسه تهيئة هذا العالم وتأليف أجزائه ونظمها على ما هي عليه، فإنك إذا تأملت العالم بفكرك وميزته بعقلك وجدته كالبيت المبني المعد فيه جميع ما يحتاج إليه عباده، فالسماء مرفوعة كالسقف، والأرض ممدودة كالبساط، والنجوم منضودة كالمصابيح، والجواهر مخزونة كالذخائر، وكل شئ فيها لشأنه مُعد، والإنسان كالمُمَلَّكِ ذلك البيت، والمخول جميع ما فيه، وضروب النبات مهيأة لمآربه، وصنوف الحيوان، مصروفة في مصالحه ومنافعه، ففي هذا دلالة واضحة على أن العالم مخلوق بتقدير وحكمة، ونظام وملائمة، وأن الخالق له واحد.
بحار الأنوار المقدس – ج٣ – ص٦١
وهو الذي ألفه ونظمه بعضا إلى بعض. جل قدسه وتعالى جده وكرم وجهه، ولا إله غيره، تعالى عما يقول الجاحدون، وجل وعظم عما ينتحله الملحدون
يحدثنا الحاكم سلام الله و صلواته عليه عن أن أول العبر والأدلة على الباري جل جلاله هو التدبر في كيفية خلق هذا العالم و توفير كل إحتياجات البشرية من تأليف أجزاء هذا العالم من أرض وسماء وشمس وقمر وليل ونهار و غيرهن من الأجزاء التي لا تعد ولا تحصى في تأليف هذا العالم وتنظيمه حيث لا الشمس تسبق القمر ولا القمر يسبق الشمس ولا الأرض تصعد للسماء ولا السماء تنطبق على الأرض بل كلها تمشي بنظام معين وهي مضطرة لذلك و إلا لو لم تكن مضطرة و لو لم يكن هنالك صانع يجعلها تضطر فلماذا لا يختل هذا النظام؟ لماذا هذا النظام ثابت منذ أن خلق الله العالم؟ ولم يحدث اي إختلال في نظام الكون؟
بل أن الكون يجري بما أمره الله و يضطر لذلك فلزم القول بأن هنالك مدبر، خلق هذا الكون وخلق نظامه وجعله مضطر على هذا النظام لا يخالفه أبدا، مالكم أيها الملحدون لا تتفكرون في عظيم خلق الله لهذا العالم واجزائه ونظامه؟
فإن أول دليل على وجود الله هو التنظيم الدقيق لهذا العالم، الذي يظهر في كيفية تهيئة أجزاء الكون بحيث تلبي احتياجات الإنسان، فالسماء مثل السقف الذي يحمينا من الأشعة الضارة والكوارث، والأرض كالبساط الذي يحتوي على كل ما نحتاجه من طعامٍ وشراب وحيوانات، والنجوم تعمل كمصابيح تساعد في التوجيه والتوقيت، كل شيء في هذا الكون مهيَّأ بعناية، من الجبال التي تثبت الأرض إلى المعادن التي تخدمنا، هذا النظام الثابت يدل على وجود خالق حكيم، حيث لا يمكن أن يكون هذا التناغم موجودًا بالصدفة، فكيف لهذا الكون الذي يسير بهذا التوازن الثابت أن يكون بلا خالق؟
كما قال الحاكم عليه الصلاة و السلام: وكل شئ فيها لشأنه معد
كل شيء خلقه الله له شأن أعده الله لهذا الشأن والإنسان في هذا العالم كالمُمَّلك ذلك البيت، والمخول جميع ما فيه كل شيء يجري لصالحه فهذا العالم كله مهيَّأ لهذا الإنسان.
وفي هذا كله دلالة واضحة على أن هذا العالم له خالق خلقه بتقدير وحكمة ونظام وملائمة تدل على أن لها خالق واحد لا شريك له فمالكم لا تتدبرون أيها الملحدون؟
فبهذا اللحاظ عدم الإعتراف بوجود صانع صنع هذا العالم هو من الجهل وعدم الإعتراف بأن هذا العالم صنع بحكمة حكيم خلق هذا العالم فهو من الجحود بالله سبحانه وتعالى.
بالختام:
اقول كما قال أمير المؤمنين عليه الصلاة و السلام متحديًا الناس أجمع: لو اجتمع جميع حيوانها من طيرها وبهائمها, وما كان من مراحها وسائمها, وأصناف أسناخها, وأجناسها ومتبلدة أممها وأكياسها, على إحداث بعوضة ما قدرت على إحداثها, ولا عرفت كيف السبيل إلى إيجادها, ولتحيرت عقولها في علم ذلك, وتاهت وعجزت قواها وتناهت, ورجعت خاسئة حسيرة عارفة بأنها مقهورة, مقرة بالعجز عن إنشائها, مذعنة بالضعف عن إفنائها
بحار الأنوار المقدس – ج٤ – ص٢٥٤
