الخلافة بين الحقيقة والخيال

أكتوبر 28, 2026

الحمد لله المتفرد بالأزل والأبد، والصلاة على أول العدد وخاتم الأمد محمد وآله، الذين لا يُقاس بهم أحد.
نحمده بنعمته على نعمه، ونصلي على عبده المقرّب محمد وآله، فإن المذنب الفقير وصاحب الخطأ والتقصير قليل البضاعة وكثير الضياع، يتقرب إلى الله وصاحب الأمر بهذا البحث القليل.

الخلافة بين الحقيقة والخيال.

بادئ ذي بدء، إن أول خليفة في الأرض هو نبي الله آدم، صلوات الله عليه. ثم تنقلت الخلافة بين الأنبياء والأوصياء، ووصلت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثم أمير المؤمنين، ثم الأئمة من بعده، إلى أن وصلت إلى خليفة الله المهدي (صلوات الله عليهم أجمعين).

بإسنادِه إلى محمّدٍ بنِ إسحاقَ بنِ عمّار، قالَ: قلتُ لأبي الحسنِ الأوّلِ يعني الكاظم:«ألا تدلّني على مَن آخذُ عنهُ ديني؟ فقالَ: هذا ابني عليّ. إنّ أبي أخذَ بيدي فأدخلني إلى قبرِ رسولِ اللهِ (صلّى اللّهُ عليهِ وآله)، فقال يا بُني! إنّ اللهَ عزّ وجلّ قالَ: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرضِ خَلِيفَةً) وإن الله عز وجل إذا قال قولا وفی‌ به.» ¹

وكل نبي ووصي استخلف في الأرض، عبّر عنه بأنه {خليفة الله في أرضه}.

«أبو عبد الله (عليه السلام) إذا كان يوم القيامة نودي: أين خليفة الله في أرضه؟ فيقوم داود فيقال: لسنا أردناك وإن كنت خليفة الله في أرضه، فيقوم أمير المؤمنين (عليه السلام) فيأتي النداء: يا معشر الخلائق هذا علي بن أبي طالب خليفة الله في أرضه وحجته على عباده، فمن تعلق بحبله في دار الدنيا فليتعلق بحبله في هذا اليوم ليستضيء بنوره ويشيعه إلى الجنة.» ²

إلا صاحب الأمر، الذي تم التعبير عنه بأنه {خليفة اللّٰه}.

روى عبد الله بن عمر أن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال:« يخرج المهدي، وعلى رأسه غمامة فيها ملك ينادي: هذا خليفة الله المهدي فاتبعوه» ³

روى حذيفة اليماني، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قصة السفياني، وما يقترفه من الفجور والإثم قال :« فعند ذلك ينادي مناد من السماء: يا أيها الناس إن الله قد قطع عنكم مدة الجبارين والمنافقين وأشياعهم، ووليكم خير أمة محمد فألحقوه ب‍ (مكة) فإنه المهدي.» ⁴

والفرق كبير جداً بين {خليفة اللّٰه في أرضه} و{خليفة اللّٰه}. فقد اقتصرت خلافة الخلفاء جميعاً على الأرض، بينما صاحب الأمر هو خليفة اللّٰه بدون حصر أو تضييق. بمعنى أنه خليفة اللّٰه في عالم الذر {أي الذي يقوم مقام الله}، وخليفة اللّٰه في الأرض، وخليفة اللّٰه في يوم القيامة. فهو خليفة (اللّٰه المادي) في كل شيء.

سؤال:
هل يعقل أن يكون خليفة الله في أرضه {أي الذي يقوم مقام الله} موجودًا في الأرض بينما يسودها الفساد والقتل والظلم؟ لا يمكن أن يكون هناك من يمثل الله في الأرض وهو الخليفة.

والحقيقة هي أن الخلفاء، عدا صاحب الأمر، ليسوا خلفاء بالمعنى الصحيح، بل لهم مقام الخلافة. مقام الخلافة متجدد، لكن أصله واحد وهو المهدي. فالحقيقة لم تنقطع الدنيا عن الخلافة منذ أن أظهر الله قوله للملائكة. فأول خليفة كان آدم (عليه السلام)، وعندما توفي، خلفه أبناؤه الصالحون، وهكذا تنقلت الخلافة الإلهية في ذرية آدم؛ لم يمت أحد إلا وخلفه.

المهدي (عليه السلام) أو الخليفة هو في الحقيقة حامل لسرّ كل المخلوقات منذ أول نشأتها إلى النفخ في الصور. كل الخلفاء السابقين في المقام يمثلون حقيقة المهدي، وكل خليفة وقف في هذا المقام كان نائبًا عن صاحبه. وكل خليفة حلّ في هذا المقام يمهد لصاحبه. المهدي هو شمس الحقيقة، وبقية الخلفاء هم أقمار تعكس تلك الشمس.
والحمد للّٰه رب العالمين

المصادر:
1_ الکافي – ج 1 – ص 312
2_ بحار الأنوار – ج38 – ص155
3_ بحار الأنوار – ج51 – ص83
4_ معجم أحاديث الإمام المهدي (عليه السلام) – ج2 – ص157

اترك تعليقاً