بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على محمد وآل محمد.
يبين لنا أهل البيت (عليهم السلام) أن وجود الحجة في الأرض ليس أمراً زائداً عن حاجة الإنسان، بل هو ضرورة إلهية، فلا تخلو الأرض من إمام أو عالمٍ يكون حجة لله على خلقه، يهدي الناس إلى الحق، ويبين لهم الحلال والحرام، ويحفظ الدين من التحريف والضياع.
قال تعالى: ﴿إنما أنت منذر ولكل قوم هاد﴾ (الرعد: 7)
وقال تعالى: ﴿ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون﴾ (القصص: 51)
الإمام الصادق (عليه السلام):«إن الأرض لا تخلو إلا وفيها إمام، كيما إن زاد المؤمنون شيئاً ردهم، وإن نقصوا شيئاً أتمه.»
وهذا يبين لنا أن الإمام هو المرجع الذي تحفظ به الشريعة من الزيادة والنقصان، فيرد الناس إلى الحق إذا زادوا فيه، ويتم لهم ما نقصوا منه.
الإمام الباقر أو الإمام الصادق (عليهما السلام):«إن الله لم يدع الأرض بغير عالم، ولولا ذلك لم يعرف الحق من الباطل.»
فمعرفة الحق من الباطل تحتاج إلى حجةٍ وعالمٍ من الله، لأن الإنسان مهما بلغ من العلم يبقى محتاجاً إلى من يهديه إلى الطريق الصحيح ويحفظ له معالم الدين.
الإمام الصادق (عليه السلام):«لم تخل الأرض منذ كانت من حجة عالم يحيي فيها ما يميتون من الحق، ثم تلا هذه الآية: ﴿يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم…﴾
فالحجة الإلهية هو الذي يحيي الحق إذا حاول الناس إماتته، ويحفظ نور الله من أن تطفئه أهواء البشر وانحرافاتهم.
الإمام الصادق (عليه السلام):«إن الأرض لا تترك إلا بعالم يحتاج الناس إليه ولا يحتاج إلى الناس، يعلم الحرام والحلال.»
ومن هنا نعرف أن حاجة الناس إلى الحجة ليست كحاجتهم إلى أي عالم من العلماء، بل هي حاجة إلى من يكون علماً للحق، ومرجعاً في معرفة ما أراده الله تعالى من عباده.
وقد بين الإمام الرضا (عليه السلام) أن وجود الإمام ضرورة لبقاء الدين، فقال في بيان علة جعل أولي الأمر:«إن الخلق لما وقفوا على حد محدود وأمروا أن لا يتعدوا ذلك الحد لما فيه من فسادهم، لم يكن يثبت ذلك ولا يقوم إلا بأن يجعل عليهم فيه أميناً، ولو لم يجعل لهم إماماً قيماً أميناً حافظاً مستودعاً لدرست الملة وذهب الدين وغيرت السنة.»
وهذا يدل على أن الإمامة ليست مجرد منصبٍ دنيوي، وإنما هي حفظ للدين وإقامة للحق، لأن الناس بحاجة إلى إمام يحفظ حدود الله ويمنع ضياع الشريعة وتغيير السنة.
الإمام الباقر (عليه السلام):«يخرج أحدكم فراسخ فيطلب لنفسه دليلاً، وأنت بطرق السماء أجهل منك بطرق الأرض، فاطلب لنفسك دليلاً.»
فإذا كان الإنسان يحتاج إلى دليل في طريقٍ من طرق الدنيا، فكيف بطريق الله والآخرة؟ وكيف يسير الإنسان في طريق الحق دون دليلٍ يهديه ويأخذ بيده؟ ولهذا كان وجود الحجة من رحمة الله بعباده، إذ لا يتركهم في طريقٍ بلا هداية، ولا يكلهم إلى أنفسهم دون دليل.
الإمام الباقر (عليه السلام):« إن الله عز وجل يرفع العذاب عن أهل الأرض إذا كان فيها نبي أو إمام.»
مصدر جميع ما ذكر: ( ميزان الحكمة – ج 1 – ص 151 – 152)
فوجود الحجة ليس هدايةً للناس فحسب، بل هو أمانٌ للأرض وأهلها، وبقاؤه من أسباب استمرار صلاح العالم ورحمة الله بعباده.
وهكذا يتضح لنا أن الإنسان مضطر إلى الحجة، لأن العقل يحتاج إلى من يهديه، والدين يحتاج إلى من يحفظه، والحق يحتاج إلى من يحييه، والأمة تحتاج إلى من يقيم لها حدود الله ويصون شريعته من التحريف.
فاللهم عرفنا حجتك، وثبتنا على ولايتهم، ولا تجعلنا ممن عرف الحق ثم أعرض عنه.
هذا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
