بسم الله الرحمن الرحيم، وصلوات الله ملائكته وأنبيائه ورسله وجميع خلقه على محمد وآل محمد، والسلام عليه وعليهم ورحمة الله وبركاته.
نبدأ هذا المقال بحديث الرضا من آل الرسول محمد (صلوات الله عليهم) حيث يصف عمق مقام الإمامة قائلاً:
« فمن ذا الذي يبلغ معرفة الإمام، أو يمكنه اختياره، هيهات هيهات، ضلت العقول، وتاهت الحلوم، وحارت الألباب، وخسئت العيون وتصاغرت العظماء، وتحيرت الحكماء، وتقاصرت الحلماء، وحصرت الخطباء، وجهلت الألباء، وكلت الشعراء، وعجزت الأدباء، وعييت البلغاء، عن وصف شأن من شأنه، أو فضيلة من فضائله….»
(الكافي الشريف، ج١، ص١٩٨)
يستنتج اللبيب من النور أعلاه، سعة منزلة وشأن الإمام (عليه السلام) مما يعني أن تعريف الإمام يجب أن ينسجم ويعادل كفة هذه الدرجة الشريفة؛ لكن على العكس تماماً نجد أن أهل الظن قد عرفوا الإمامة على أنها رئاسة الدين والدنيا، وقد أخذوا هذا التعريف من الناصبة، وهذا التعريف بطبيعة الحال هو جزءٌ من ألفِ جزء من مهام الإمام، التي هي حاكمية على السماوات والأرض وما فيهن وما بينهن، فهو حجة الله على كل مخلوق، أما الشريعة فهي قضية بسيطة جداً بالنسبة إلى مهام ومقام الإمامة- مع قداسة هذه الأمور لكنها شكلية-
من نتائج هذا التعريف الواهن هو قول الشيخ الطوسي في كتابه ( الاقتصاد فيما يجب على العباد، ص ٣٧١) في مباحث الإمامة :
«ويجب أيضًا أن يكون الإمام عالمًا بتدبير ما هو إمام فيه من سياسة رعيته والنظر في مصالحهم وغير ذلك بحكم العقل…»
وبعدها يعلل قوله « وإنما قلنا يجب أن يكون أفضل فيما هو إمام فيه، لأنه يجوز أن يكون في رعيته من هو أفضل منه فيما ليس هو إمام فيه ككثير من الصنائع والمهن وغير ذلك، والمعتبر كونه أفضل فيما هو إمام فيه»
وهذا قول فاسد ناتج عن الابتعاد عن حديث محمد وآل محمد (صلوات الله عليهم)
الحديث :
عن عبدالعزيز بن مسلم قال: كنا مع الرضا (عليه السلام) بمرو فاجتمعنا في الجامع يوم الجمعة في بدء مقدمنا فأداروا أمر الإمامة وذكروا كثرة اختلاف الناس فيها، فدخلت على سيدي (عليه السلام) فأعلمته خوض الناس فيه، فتبسم (عليه السلام) ثم قال: يا عبدالعزيز جهل القوم وخدعوا عن آرائهم إلى أن يقول (صلوات الله عليه)
(الكافي الشريف،ج١ ص١٩٨)
« إن الإمامة هي منزلة الأنبياء، وإرث الأوصياء، إن الإمامة خلافة الله وخلافة الرسول (صلى الله عليه وآله) ومقام أمير المؤمنين (عليه السلام) وميراث الحسن والحسين (عليهما السلام) إن الإمامة زمام الدين، ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا وعز المؤمنين، إن الإمامة أس الاسلام النامي، وفرعه السامي، بالإمام تمام الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد، وتوفير الفئ والصدقات، وإمضاء الحدود والأحكام، ومنع الثغور والأطراف، الإمام يحل حلال الله، ويحرم حرام الله، ويقيم حدود الله، ويذب عن دين الله، ويدعو إلى سبيل ربه بالحكمة، والموعظة الحسنة، والحجة البالغة، الإمام كالشمس الطالعة المجللة بنورها للعالم وهي في الأفق بحيث لا تنالها الأيدي والأبصار، الإمام البدر المنير، والسراج الزاهر، والنور الساطع، والنجم الهادي في غياهب الدجى وأجواز البلدان والقفار، ولجج البحار، الإمام الماء العذب على الظماء والدال على الهدى، والمنجي من الردى، الإمام النار على اليفاع، الحار لمن اصطلى به والدليل في المهالك، من فارقه فهالك، الإمام السحاب الماطر، والغيث الهاطل والشمس المضيئة، والسماء الظليلة، والأرض البسيطة، والعين الغزيرة، والغدير والروضة، الإمام الأنيس الرفيق، والوالد الشفيق، والأخ الشقيق، والأم البرة بالولد الصغير، ومفزع العباد في الداهية النآد، الإمام أمين الله في خلقه، وحجته على عباده وخليفته في بلاده، والداعي إلى الله، والذاب عن حرم الله، الإمام المطهر من الذنوب والمبرأ عن العيوب، المخصوص بالعلم، المرسوم بالحلم، نظام الدين، وعز المسلمين وغيظ المنافقين، وبوار الكافرين، الإمام واحد دهره، لا يدانيه أحد، ولا يعادله عالم، ولا يوجد منه بدل ولا له مثل ولا نظير، مخصوص بالفضل كله من غير طلب منه له ولا اكتساب، بل اختصاص من المفضل الوهاب، فمن ذا الذي يبلغ معرفة الإمام، أو يمكنه اختياره، هيهات هيهات، ضلت العقول، وتاهت الحلوم، وحارت الألباب، وخسئت العيون وتصاغرت العظماء، وتحيرت الحكماء، وتقاصرت الحلماء، وحصرت الخطباء، وجهلت الألباء، وكلت الشعراء، وعجزت الأدباء، وعييت البلغاء، عن وصف شأن من شأنه، أو فضيلة من فضائله، وأقرت بالعجز والتقصير، وكيف يوصف بكله، أو ينعت بكنهه، أو يفهم شيء من أمره، أو يوجد من يقوم مقامه ويغني غناه، لا كيف وأنى؟ وهو بحيث النجم من يد المتناولين، ووصف الواصفين، فأين الاختيار من هذا؟ وأين العقول عن هذا؟ وأين يوجد مثل هذا؟! أتظنون أن ذلك يوجد في غير آل الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) كذبتهم والله أنفسهم، ومنتهم الأباطيل فارتقوا مرتقا صعبا دحضًا، تزل عنه إلى الحضيض أقدامهم، راموا إقامة الإمام بعقول حائرة بائرة ناقصة، وآراء مضلة، فلم يزدادوا منه إلا بعدا، [قاتلهم الله أنى يؤفكون ] ولقد راموا صعبا، وقالوا إفكا، وضلوا ضلالا بعيدا، ووقعوا في الحيرة، إذ تركوا الإمام عن بصيرة، وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين…..»
الإمامة كانت مدفونة عبر التاريخ إلى أن ظهرت خاتمة الدعوات التي كشفت الهوية الحقيقية للإمامة؛ ظلّ مدّعو التشيّع تائهين؛ لأنهم ليسوا من خاتمة الدعوات، نسأل الله تعالى أن يرزقنا معرفة حجّته حق المعرفة، والثبات على ولايته، والاستعداد لنصرته.
