بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلِّ على محمدٍ وآل محمد
في الحقيقة، كنتُ أفكر كثيرًا في حكمة الله سبحانه ورحمته، وبعد طول تأملٍ وتدبّرٍ، أستوقفتني آيتان عظيمتان من كتاب الله العزيز:
قال تعالى:﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾
وقال سبحانه:﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾
(سورة آل عمران: 141)
(سورة الأنبياء: 35)
لم أكن أعلم تمامًا ما الحكمة من تمحيص المؤمن ومحق الكافر، حتى قرأتُ حديثًا من أحاديث آل محمدٍ (عليهم السلام)، فأنار الله به قلبي، وأشرق به بصري بالعلم والمعرفة.
ويا حبذا لو قرأتَ الحديث معي لنتأمل معًا عظمة الحكمة الإلهية، ودقّة عدله سبحانه، وكيف جمع بين الرحمة والعدل، فهو العظيم في قضائه، الرحيم في بلائه، العادل في جزائه، ولا يُخلف الوعد.
ورد في الحديث الشريف عن إمامنا جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) — روحي وأرواح العالمين لتراب مقدمه الفداء — أنه قال:
(لقد دخل عبد الله بن يحيى على أمير المؤمنين عليه السلام وبين يديه كرسي، فأمره بالجلوس، فجلس عليه، فمال به حتى سقط على رأسه، فأوضح عن عظم رأسه وسال الدم، فأمر أمير المؤمنين عليه السلام بماء فغسل عنه ذلك الدم، ثم قال له: “أدنُ مني”، فدنا منه، فوضع يده على موضع الجرح — وقد كان يجد من ألمه ما لا صبر له عليه — فمسح بيده عليه وتفل فيها، فما هو إلا أن فعل ذلك حتى اندمل وصار كأن لم يصبه شيء قط، ثم قال أمير المؤمنين عليه السلام: يا عبد الله الحمد لله الذي جعل تمحيص ذنوب شيعتنا في الدنيا بمحنهم لتسلم لهم طاعاتهم ويستحقوا عليها ثوابها، فقال عبد الله بن يحيى: يا أمير المؤمنين، أوَإنا لا نُجازى بذنوبنا إلا في الدنيا؟ قال عليه السلام: “ نعم، أما سمعت قول رسول الله صلى الله عليه وآله: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر؟ يطهّر الله شيعتنا من ذنوبهم في الدنيا بما يبتليهم به من المحن، وبما يغفره لهم، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾
. حتى إذا وردوا القيامة ، توفّرت عليهم طاعاتهم وعباداتهم.”
(سورة الشورى الاية 30 )
وأما أعداء محمدٍ وآله، فإنهم يُجازَون في الدنيا على طاعةٍ تكون منهم — وإن كانت لا وزن لها لعدم إخلاصها — حتى إذا وافوا القيامة حُمّلت عليهم ذنوبهم وبُغضهم لمحمدٍ (صلى الله عليه وآله وخيار أصحابه)، فقُذفوا في النار.
ثم ذكر (عليه السلام) قصة الرجلين: أحدهما مؤمن مطيع، والآخر كافر جاحد، وكان لكل واحدٍ منهما مُلك عظيم، فمرض الكافر يومًا، فاشتهى سمكةً في غير أوانها، فقال الأطباء إن شفاءه فيها، ولا سبيل إليها، فأمر الله ملكًا أن يُخرج تلك السمكة من لجج البحر حتى تؤخذ له، فأكلها فبرئ، فعاش سنين بعدها، ثم مرض المؤمن، واشتهى السمكة ذاتها، وكانت في ذلك الوقت قريبة المنال، فأمر الله الملك أن يُبعدها عن الشواطئ فلا تُصاد، حتى مات المؤمن من شهوته، فتعجّب الناس والملائكة، فأوحى الله إليهم: إني أنا الله الكريم المتفضل، لا يضرني ما أعطي، ولا ينفعني ما أمنع، ولا أظلم أحدًا مثقال ذرة، أما الكافر، فسهّلت له السمكة جزاءً لحسنةٍ عملها، ليأتي القيامة ولا حسنة له، فيدخل النار وأما المؤمن، فمنعته تلك السمكة لخطيئةٍ منه، ليأتي يوم القيامة خاليًا من الذنوب، فيدخل الجنة.
فقال عبد الله: يا أمير المؤمنين، عرّفني ذنبي الذي امتحنتُ به في هذا المجلس، قال (عليه السلام): “تركُك قول بسم الله الرحمن الرحيم حين جلست، فجعل الله ذلك سهوك تمحيصًا لما سلف منك.”
ثم قال: “كل أمرٍ ذي بالٍ لم يُبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر).
(تفسير الامام الحسن العسكري عليه السلام – ص 22)
فتأمل يا أخي كم هو عظيمٌ حكيمٌ الله سبحانه!
انظر إلى عدله في الكافر والمؤمن، وإلى رحمته التي تُخفي في البلاء النعمة.
إن الله يعطي الكافر الخير في الدنيا، لكنه يسلبه نعيم الآخرة، لأن الكافر — وإن عمل عملًا صالحًا — لا إخلاص له فيه، فلو أعطاه الله أجرًا أبديًا لكان مساويًا للمؤمن المخلص، وحاشا لعدل الله أن يُسوّي بينهما.
وقد قال أمير المؤمنين( عليه السلام):
«فلو رخّص الله في الكِبر لأحدٍ من عباده، لرخّص فيه لأنبيائه وأوليائه، ولكنه سبحانه كرّه إليهم التكبر ورضي لهم التواضع… فلا تعتبروا الرضا والسخط بالمال والولد جهلاً بمواقع الفتنة والاختبار»
( نهج البلاغة الخطبة 192 )
فالكافر يُمدّ في ماله وبنيه استدراجًا ، لا كرامة، كما قال تعالى:
أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ
(من سورة المؤمنين الاية 55)
فاحذر يا أخي المؤمن من أن تظنّ الدنيا نعمة دائمة، فإنها دار بلاء وامتحان، كما قال عليه السلام:
“إنما سُمّيت الدنيا دنيا لأنها أدنى من كل شيء، وسُمّيت الآخرة آخرة لأن فيها الجزاء والثواب.”
( منتخب ميزان الحكمة – ج 1 ص 202 )
فالدنيا دنيئة، زائلة لا بقاء لها، ولا قيمة لزينتها أمام رضا الله سبحانه.
وما أعظم تلك اللحظة التي تظهر فيها يد الله في أرضه، خليفته وحجته على عباده، فيفرح المؤمنون بظهوره، وتزدان الأرض بنوره، وتشرق القلوب بعد طول ظلام.
فاعلم يا أخي أن في البلاء نعمةً خفية، وهي تطهير للذنوب ورفعة للدرجات.
قال تعالى:﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الخَوفِ وَالجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَموَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ
(سورة البقرة: 155)
فالمؤمن حين يصبر على البلاء، تُمحى سيئاته وتُضاعف حسناته.
وما أعظم رحمة الله وما أوسع حكمته وما أعدل قضاؤه!
أما حال المؤمن اليوم ، فمن المؤسف انه يعصي ولا يتوب، ويغفل عن الاستغفار، ومع ذلك لا يزال الله يغمره بفضله وستره، فسبحانه ما أكرمه
فيا أخي، احمد الله على كل حال، وارضَ بقضائه في كل أمر، فربَّ بلاءٍ تكرهه هو عين رحمةٍ تُدخلك الجنة، وربَّ نعمةٍ تحبها تكون استدراجًا وهلاكًا.
وقد علّمنا أئمتنا (عليهم السلام) أن نحمد الله في السراء والضراء، وأن نذكره في كل حينٍ وموردٍ، فهو الغفور الرحيم.
والحمد لله رب العالمين،
وأختم قولي بالصلاة على محمدٍ وآل محمد.
اللهم صلِّ على محمدٍ وآل محمد
