برز في الآونة الأخيرة المعمم الأصولي أحمد الشيباني في أحد لقاءات البث المباشر، مستنكراً كلام سيد الوصيين ومردداً: “حاشا لأمير المؤمنين أن يقول:
أنا الأول، أنا الآخر، أنا الظاهر، أنا الباطن”، فعَضَدَ كلامه بزعمه أن هذه الخطبة من فعل الغلاة، وأن التشيع ابتُلي بمحب غالٍ ومبغض قالٍ.
صحيح أن آل محمد صلوات ربي وسلامه عليهم ورد عنهم إنه هلك في أمير المؤمنين اثنان، محب غال ومبغض قالٍ ولكن ما علاقة هذا الموضوع بالخطبة …؟
فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!
انه من المخزي أن نرى البعض عندما يصادفون حديثاً يصطدم بفهمهم القاصر، أو لا تستوعبه عقولهم، يسارعون إلى تضعيفه أو رميه بالتقية أو الغلو؛ تغطية لفشلهم ومهرباً للحرج، بدلاً من البحث عن تفسيره المعتمد عند أهل البيت (عليهم السلام).
إن القاعدة الأساسية في التعامل مع كلام المعصومين هي: رد ما لا نعرفه ولا نستوعبه إلى أهل البيت (عليهم السلام) أنفسهم ليبيّنوا لنا مرادهم منه، لا أن نسير خلف الهوى ونضعف ما لا يعجبنا.
وهل أمرنا اهل البيت عليهم الصلاة والسلام أن نرمي حديثهم بالغلو بمجرد لم نفهمه؟
فما ورد في الخطبة التطنجية من عبارات مثل: (أنا الأول، أنا الآخر، أنا الظاهر، أنا الباطن)، لو أسقطنا عليها الفهم البشري السطحي لوقعنا في الغلو؛ لأننا لو جعلنا العقل حاكماً على فهم الحديث لسقطنا في هذا المحظور، وهذا ما وقع فيه الأصوليون، ولكن بالرجوع إلى الحديث القدسي الشريف نجد التفسير الجلي في بصائر الدرجات ص 535:
الأول: هو أول من أخذ الله ميثاقه من الأئمة.
الآخر: هو آخر من تُقبض روحه من الأئمة في الرجعة لانه الآية التي تكلمهم…
الظاهر: وهو الذي أظهر الله عليه جميع ما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وآله.
الباطن: وهو الذي أبطنه الله الأسرار التي أسرّها لمحمد صلى الله عليه وآله…
إذن؛ فالحديث له تفسير واضح ومحكم عندما يُرد إلى أهله، وهذا يثبت أن المشكلة لم تكن يوماً في متن الحديث، بل في ضيق أفق العقل والفهم عند الأصوليين.
وأختم قولي بحديثين مباركين:
عن الرضا عليه السلام، قال: ” من رد متشابه القرآن إلى محكمه هدي إلى صراط مستقيم، ثم قال: إن في اخبارنا متشابها كمتشابه القرآن، ومحكما كمحكم القرآن، فردوا متشابها إلى محكمها، ولا تتبعوا متشابهها دون محكمها فتضلوا”
(مستدرك الوسائل – ج 17 – ص 345)
قال: أبو جعفر (عليه السلام) رسول الله (صلى الله عليه وآله) : «إن حديث آل محمد صعب مستصعب، لا يؤمن به إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان، فما ورد عليكم من حديث آل محمد صلى الله عليه وآله، فلانت له قلوبكم وعرفتموه فاقبلوه، وما اشمأزت منه قلوبكم وأنكرتموه فردوه إلى الله وإلى الرسول وإلى العالم من آل محمد، وإنما الهالك أن يحدث أحدكم بشيءٍ منه لا يحتمله، فيقول: “والله ما كان هذا، والله ما كان هذا”، والإنكار هو الكفر»”.
(الكافي – ج 1 – ص 449)
