ذكرى تشرين: من الاحتجاج إلى الإصلاح

أكتوبر 25, 2026

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على محمد وآل محمد.

تمرّ علينا ذكرى الخامس والعشرين من تشرين الأول، ذكرى مرحلة مفصلية في تاريخ العراق الحديث، حين خرج آلاف العراقيين إلى الساحات مطالبين بوطنٍ يحفظ كرامتهم، ويوفّر لهم فرص العمل والخدمات، ويضع حداً للفساد وسوء الإدارة.

لم تكن تشرين مجرد تظاهرات عابرة، بل كانت تعبيراً عن آمال جيلٍ أراد أن يرى بلده أكثر عدلاً وأمناً وازدهاراً. وقد رفعت الاحتجاجات مطالب سياسية واقتصادية واجتماعية، من بينها الإصلاح، ومكافحة الفساد، وتحسين الخدمات، وتوفير فرص العمل. لكن السنوات التي تلتها تفرض علينا سؤالاً مهماً: كيف نحافظ على جوهر تلك المطالب، ونتعلّم من التجربة، ونحوّلها إلى مشروع إصلاح حقيقي؟

أولاً: تشرين ودرس التغيير

إن من أبرز الدروس التي يمكن استخلاصها من تشرين أن رفض الواقع لا يكفي وحده لصناعة المستقبل؛ فالتغيير يحتاج إلى رؤية واضحة، وتنظيم مسؤول، وبرنامج قابل للتطبيق، ومؤسسات تضمن استمرار الإصلاح بعد انتهاء الاحتجاجات.

لقد كشفت التجربة عن صعوبة تحويل المطالب الشعبية المتنوعة إلى قيادة موحّدة وبرنامج سياسي متكامل، كما كشفت عن خطورة الانقسامات واستغلال آمال الناس، فضلاً عن الانتهاكات التي تعرّض لها المتظاهرون، وما تزال المطالبات بالحقيقة والعدالة والمحاسبة قائمة بشأنها.

ولذلك، فإن الإنصاف يقتضي ألّا نحمّل المتظاهرين مسؤولية كل ما أخفقت فيه التجربة، وألّا نتجاهل في الوقت نفسه الحاجة إلى مراجعة أدوات العمل السياسي والتنظيمي.

ثانياً: الأخطاء التي يجب تصحيحها

1. غياب البرنامج المتكامل

إن المطالبة بإسقاط الفساد لا تكفي ما لم تقترن بخطة تحدد كيفية إصلاح مؤسسات الدولة، ومحاسبة المسؤولين، وتحسين الاقتصاد والخدمات.

والتصحيح يكون بوضع برنامج واضح، يتضمن أهدافاً محددة، ومدداً زمنية، ومسؤوليات معلنة، ومؤشرات يستطيع المواطن من خلالها قياس النتائج.

2. تشتت الجهود وغياب التنظيم المستدام

إن تعدد الأصوات لا يمثل مشكلة بحد ذاته، لكن غياب آليات التنسيق واتخاذ القرار قد يضعف القدرة على تحويل المطالب إلى إنجازات.

والتصحيح يكون بتأسيس عمل سياسي ومدني منظم، يقوم على الشفافية، وتداول المسؤولية، واحترام الاختلاف، ومنع احتكار تمثيل الشارع من أي جهة.

3. تغيير الأشخاص من دون تغيير آليات الحكم

إن تغيير الوجوه السياسية قد يكون جزءاً من الإصلاح، لكنه لا يكفي إذا بقيت المحاصصة وسوء الإدارة وضعف الرقابة كما هي.

والتصحيح يقتضي اختيار المسؤولين وفق الكفاءة والنزاهة، وتعزيز استقلال القضاء والرقابة، وضمان تداول السلطة سلمياً، ومحاسبة كل مسؤول مهما كان موقعه.

4. إهمال بناء الثقة بين المواطن والدولة

لا يمكن بناء دولة قوية إذا شعر المواطن أن صوته لا قيمة له، أو أن حقوقه مرتبطة بعلاقاته ونفوذه.

والتصحيح يبدأ بضمان حرية التعبير والتظاهر السلمي، وحماية المواطنين من التهديد والتمييز، وإتاحة المعلومات، وإخضاع مؤسسات الدولة للقانون.

ثالثاً: من المطالب الشعبية إلى مشروع إصلاح

في هذا السياق، تبرز أهمية مناقشة المبادئ التي يطرحها الشيخ واثق الشمري، والتي تشمل الحرية، وتغيير الوجوه السياسية، وضمان حقوق المواطنين، وتعديل الدستور، وتعزيز أمن العراق، وتنمية الاقتصاد، والنهوض بالتعليم والصحة.

وتمثل هذه العناوين ملفات أساسية في أي نقاش جاد بشأن مستقبل الدولة العراقية، لكن قيمتها الحقيقية تتحدد بمدى وضوح الآليات المقترحة لتنفيذها، والضمانات التي تحميها من أن تتحول إلى وعود لا تجد طريقها إلى الواقع.

فالحرية لا تتحقق بمجرد إعلانها، بل تحتاج إلى قوانين تحمي الرأي والتعبير، ومؤسسات تمنع التعسف، وقضاء مستقل ينصف المظلوم.

وتغيير الوجوه السياسية ينبغي أن يقترن بتغيير قواعد اختيار المسؤولين ومحاسبتهم، حتى لا يعيد العراق إنتاج المشكلات نفسها بأسماء جديدة.

وضمان حقوق المواطنين يعني أن يحصل الجميع على حقوقهم أمام القانون، من دون تمييز أو محاباة، وأن تكون كرامة الإنسان أساساً في التعامل مع الدولة.

وتعديل الدستور يحتاج إلى دراسة قانونية وسياسية واضحة، وحوار وطني واسع، وإجراءات دستورية سليمة، بما يعالج مواطن الخلل ويحافظ على الحقوق والحريات.

أما أمن العراق فلا يقتصر على حماية الحدود، بل يشمل أمن المواطن في بيته وشارعه وعمله، وحماية السلم الأهلي، وتطبيق القانون على الجميع، ومنع الإفلات من العقاب.

والاقتصاد يحتاج إلى تنويع مصادر الدخل، ودعم القطاعات الإنتاجية، وتوفير فرص العمل، وتقليل الهدر، وربط الإنفاق العام بنتائج ملموسة يشعر بها المواطن.

والتعليم والصحة ليسا ملفين ثانويين، بل أساس بناء الإنسان والدولة؛ فالتعليم الجيد يفتح أبواب المستقبل أمام الشباب، والرعاية الصحية اللائقة تحفظ كرامة المواطنين وتخفف معاناتهم.

إن هذه المبادئ لا تصبح مشروعاً ناجحاً إلا عندما تتحول إلى خطط تنفيذية، وموازنات واضحة، ومواعيد محددة، وآليات رقابة ومحاسبة.

رابعاً: العراق الذي يستحقه أبناؤه

يستحق العراقي أن يعيش آمناً، وأن يجد الماء والكهرباء والخدمات الأساسية، وأن يحصل الطالب على تعليم جيد، والمريض على رعاية صحية تحفظ كرامته، والشاب على فرصة عمل تقوم على الكفاءة لا المحسوبية.

ويستحق المواطن أن يرى ثروات بلده تنعكس على حياته اليومية، وأن تكون مؤسسات الدولة في خدمته، لا أن يضطر إلى البحث عن واسطة للحصول على حقه.

كما يستحق ضحايا تشرين وعوائلهم معرفة الحقيقة وتحقيق العدالة، وأن تُصان حرية المواطنين في التعبير عن مطالبهم سلمياً.

إن بناء هذا العراق لا يتحقق بشعارات جميلة وحدها، بل بإرادة سياسية مسؤولة، ومؤسسات قوية، وخطط واقعية، وشعب يحتفظ بحقه في السؤال والرقابة والمحاسبة.

الكلمة الأخيرة

في ذكرى تشرين، لا يكفي أن نتذكر ما حدث، بل ينبغي أن نسأل أنفسنا: ما الذي تعلمناه؟ وأي أخطاء يجب ألّا نكررها؟ وكيف نحول آمال العراقيين إلى خطوات عملية نحو الإصلاح؟

إن الوفاء لتشرين لا يعني تقديس كل ما جرى، ولا التقليل من تضحيات أبنائها، بل يعني التمسك بمطالب الكرامة والعدالة والحقوق، والعمل على تحقيقها بوسائل أكثر تنظيماً ووضوحاً واستدامة.

إن العراق يحتاج إلى مشروع يضع المواطن في مركز اهتمامه، ويجعل الحرية حقاً مصوناً، والعدالة أساساً للحكم، والتعليم والصحة أولوية، والاقتصاد وسيلة لبناء حياة كريمة، والأمن ضماناً للاستقرار، والمحاسبة قاعدة لا استثناء.

ويبقى المعيار الحقيقي لأي مشروع سياسي هو ما يقدمه من حلول قابلة للتطبيق، ومدى التزامه بالقانون والحقوق، واستعداده لتحمّل المسؤولية عن النتائج.

فلتكن ذكرى تشرين مناسبة لمراجعة الماضي، لا للبقاء أسرى له؛ وفرصة لبناء مستقبلٍ يكون فيه العراق وطناً آمناً وعادلاً وكريماً لجميع أبنائه.

هذا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

اترك تعليقاً