ظهرت في الفترة الأخيرة مشاهد لعدة من مواكب العزاء مستعرضين فيها الأدوات الموسيقية مع أداءٍ يحاكي النمط الغنائي الهابط واستخدام كلمات الُقيت في نوادي ليلية؛ لتتحول شعيرة الحزن إلى طقسٍ احتفالي مستهجن يُجرّد العزاء من وقاره وقدسيته.
إن الصمت المطبق الذي تلوذ به المرجعية الدينية أمام هذه التراهات، ما هو إلا تأييدٌ مضمر ودعمٌ غير مباشر لتفشي هكذا بدع، تنهش في جسد العقيدة دون نكير.
ولم تكن هذه الحادثة إلا عَرَضاً لظاهرةٍ أوسع تفشت في الآونة الأخيرة؛ حيث يشهد العراق موجةً من الانحرافات والمخازي السلوكية التي طالت بعض المواكب، فتحولت شعائر العزاء إلى ما يشبه العروض المسرحية والاستعراضات الراقصة، عبر ارتداء أزياء غريبة، والقيام بقفزات وحركات جماعية موحدة على وقع طبول صاخبة وألحان مجونة، وجردتها من أي مسحة من الوقار أو الخشوع.
وإن البعض منهم غايته الحقيقية من اتخاذ هذه المحافل هو جعلها وسيلة لتعظيم وتمجيد اصنامهم الذي يعبدونهم من دون الله؛ فيذكر البعض “مقتدى الصدر” ويذكر الاخر “علي السيستاني”، في صورة يعجز البيان عن وصف ما تحمله من تخلف وانحراف، وكفر صريح بواح؛ وتحولت إلى مهزلة حقيقية تسيء إلى الدين وتضعف من هيبة التشيع.
ولم يتوقف حد هذا الجنون عند التشويه الفكري، بل تعداه إلى التجاسر على المقامات الرفيعة لأهل البيت بنزع ألقاب الإمام الحسين (عليه السلام) وإلباسها لمقتدى الصدر؛ كزعمهم أنه “مصباح الهدى”، وهي الخصوصية المطلقة التي قلدها رسول الله (صلى الله عليه وآله) لسبطه الشهيد في حديثه الشريف
حينما قال: «الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة».
(عيون أخبار الرضا – ج 1 – ص 62)
إن هذا التقديس الأعمى والتبعية المغيبة، هو ما أدى لصدور هذا الغلو الشديد، ورفع شأن شخصية لا تملك من المقامات الدينية ما يؤهلها لذلك، كحال البسطاء الذين يندفعون وراء الشعارات دون وعي؛ فكل هذا العبث منشأه الجهل وسوء الفهم، والانحراف عن جادة الدين الحق المعصوم نحو مسالك مبتدعة.
قال الإمام علي (عليه السلام): «الناس ثلاثة: فعالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق. يا كميل: العلم خير من المال؛ العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة والعلم يزكو على الإنفاق، وصنيع المال يزول بزواله. يا كميل بن زياد: معرفة العلم دين يدان به؛ به يكسب الإنسان الطاعة في حياته، وجميل الأحدوثة بعد وفاته، والعلم حاكم والمال محكوم عليه».
(نهج البلاغة – ج 5 – ص 496)
وأمام هذا الانحدار غير المسبوق، يبرز السؤال الملح عن دور من يتصدرون سدة البدعة؛ إذ روينا
عن الصادقين (عليهم السلام) أنهم قالوا: «إذا ظهرت البدع فعلى العالم أن يظهر علمه، فإن لم يفعل سلب نور الإيمان».
(ميزان الحكمة – ج 1 – ص 238)
فبأي حجة يسكت العلماء اليوم عن دحض هذه الأباطيل؟ إن التقاعس عن نصرة الدين في مواطن التشويه يضع المرجعية الساكتة في خانة الشراكة مع المبتدعة؛ فالعالِمُ الذي يرى هدم العقيدة ولا يحرك ساكناً، قد تخلى عن أقدس واجباته لحفظ بيضة الدين.
