بسم الله الرحمن الرحيم، وصلوات الله وصلوات ملائكته وأنبيائه ورسله وجميع خلقه على محمد وآل محمد، والسلام عليه وعليهم ورحمة الله وبركاته
الاجتهاد هو الاختلاف الجوهري بين الأخباريين والأصوليين، ومن هذا المنبع تفرعت كثير من الاختلافات الأخرى، والتي سببها عدم اهتمام الأصوليين بالحديث بصورة عامة(تمثل في تضعيفه ووضع علوم بدعية للتحكم فيه) الذي بدوره أثر على قراءة الحديث عند أهل الظن، وبسبب هذا الأمر ولدت عندنا قاعدة أصالة الإباحة:« كل شيء لك مباح حتى تعلم بحرمته»
«والمراد من قاعدة (الإباحة) أن إذا كان الحكم في موارد الشكّ في حلِّيَّة شيءٍ أو حرمته يحكم بالإباحة والحلِّيَّة، فمن يفعل شيئاً لا يعلم المنع عنه، فعدم العلم بالمنع كافٍ للحكم بالإباحة، ولا نحتاج إلى دليلٍ خاصٍّ يدلُّ على الترخيص، فمن قال: هذا حلال، أو هذا طاهر، لا يُسأل عن الدليل، وإنمَّا يطلب الدليل ممّن يدَّعي التحريم أو النجاسة؛ لأنَّ الأصل في الأشياء الحلّ والطهارة حتَّى يثبت العكس»(الشيعة في الميزان ص٣٤٦)
أستدل من قال بأصالة الإباحة بهذا الحديث
عن عبد الله بن سنان قال، قال أبو عبد الله (عليه السلام):« كل شئ يكون فيه حرام وحلال فهو لك حلال أبداً حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه»(تهذيب الأحكام ج٩، ص٧٩)
وسيتم بيانه إن شاء الله، بعد أن نبين: أن لكل حكم نص.
عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سمعته يقول:«إنّ الله تبارك وتعالى لم يدع شيئًا تحتاج إليه الأمة إلا أنزله في كتابه وبيَّنه لرسوله صلى الله عليه وآله، وجعل لكل شيء حدًّا، وجعل عليه دليلاً يدلّ عليه، وجعل على من تعدّى ذلك الحد حدًّا.» (الكافي، ج١، ص٥٩)
عن الإمام الصادق (عليه السلام):«وإنّما الأُمور ثلاثة: أمر بيّن رشده فيُتبع، وأمر بيّن غيُّه فيجتنب، وأمر مشكل يردّ حكمه إلى اللّه، قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): حلال بيّن، وحرام بيّن وشبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات، ومن أخذ بالشبهات وقع في المحرمات، وهلك من حيث لا يعلم»
(ميزان الحكمة، ج٢،ص٥٥)
لاحظ كيف أن الحديث قطع بأن لكل شيء حكم شرعي، وأضاف نقطة مهمة وهي الشبهة أي ما اشتبه فيه وهذا مردود إلى الله ورسوله.
الحاكم من الحديث يشرح ما تسمى بأصالة الإباحة
عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سمعته يقول:«كل شيء حولك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك وذلك مثل الثوب يكون قد اشتريته وهو سرقة أو المملوك عندك ولعله حر قد باع نفسه أو خدع فبيع أو قهر أو امرأة تحتك وهي اختك أو رضيعتك والأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة.»
(الكافي الشريف، ج٥،ص ٣١٣)
وهذا الحديث يبين الاشتباه الذي وقع فيه من قال بهذه القاعدة، فكل شيء لك حلال ليس في الحكم نفسه، وإنما في أداء الحكم وها هو الحديث يبين ذلك، مثال آخر، مكلف رأى قدح وظن أن ما فيه ماء فبعد شربه إياه تبين أنه خمر، فهنا كان مباح له الشرب من القدح إلى أن علم أنه خمر قد علم بحرمته، فصارت إباحة في أداء الحكم لا الحكم نفسه.

أبريل 1, 2026